
ما كان يُنظر إليه قبل أيام كاضطراب ظرفي في التموين بالمحروقات، بدأ يتحول تدريجيًا إلى أزمة متعددة الأبعاد تمتد آثارها عبر كامل التراب الوطني. من باسكنو شرقًا، إلى كرمسين جنوبًا، مرورًا بـبير أم كرين شمالًا وول ينج وروصو، تتكرر نفس المؤشرات:
ارتفاع مفاجئ في الأسعار، ندرة في بعض المواد، وسلوك سوقي يميل نحو الاحتكار والمضاربة.
هذه ليست أزمات محلية متفرقة… بل نمط وطني واحد.
أولًا: خريطة الأزمة… نفس الأعراض باختلاف المواقع
رغم اختلاف الجغرافيا والأنشطة الاقتصادية، فإن ما يحدث متشابه بشكل لافت:
في باسكنو:
ضغط على المواد الأساسية بسبب قربها من مناطق حدودية نشطة
في ول ينج:
ارتفاع حاد في أسعار العلف و النقل والمواد الغذائية
في روصو وكرمسين:
اضطراب في تدفق السلع وارتفاع الأعلاف
في بير أم كرين:
تأثير مباشر لارتفاع تكلفة الإمداد في المناطق النائية
وفي ألاك وكيفه وول ينج وسيليبابي وفصالة وغيرها:
انفجار أسعار الأعلاف وظهور سلوك الامتناع عن البيع
ما يجمع كل هذه النقاط:
سوق واحد… يعاني من نفس الخلل البنيوي
ثانيًا: كيف تنتقل الأزمة عبر الاقتصاد؟
الأزمة لا تنتقل عشوائيًا، بل عبر سلسلة واضحة:
اضطراب في تموين المحروقات
ارتفاع تكلفة النقل
نقص في الإمدادات
تخزين ومضاربة
ارتفاع حاد في الأسعار
وهذا ما يفسر لماذا:
تبدأ الأزمة في الوقود… وتنتهي في الغذاء والأعلاف
ثالثًا: السوق لا يختل فجأة… بل يُترك ليختل
ما يحدث اليوم ليس نتيجة “ظروف دولية” فقط، بل نتيجة:
تركيز التوريد في يد جهة واحدة (ٱداكس)
غياب مخزون استراتيجي
ضعف الرقابة
في هذه البيئة:
يصبح الاحتكار سلوكًا طبيعيًا
وتصبح المضاربة أداة ربح
ويصبح المواطن الحلقة الأضعف
رابعًا: الأعلاف… المؤشر الذي لا يُخطئ
ارتفاع أسعار الأعلاف، كما في ألاك القريبة من نواكشوط، ليس تفصيلاً، بل:
إنذار مبكر
لأن الأعلاف مرتبطة بـ:
الثروة الحيوانية
الأمن الغذائي
أسعار اللحوم والحليب
وعندما تضطرب هذه الحلقة:
ينتقل التأثير إلى كل بيت
خامسًا: حين يرفض التاجر البيع
ظهور حالات:
رفض البيع
أو تأجيله
أو البيع الانتقائي
ليس فوضى، بل:
سلوك اقتصادي مبني على توقع استمرار الارتفاع
وهذا أخطر من الغلاء نفسه، لأنه يعني:
فقدان الثقة في استقرار السوق
سادسًا: من أزمة اقتصادية إلى تهديد وطني
إذا استمر هذا المسار، فإننا أمام انتقال تدريجي:
من غلاء → إلى ضغط معيشي
من ضغط → إلى احتقان
من احتقان → إلى اضطراب اجتماعي
وهنا تتحول الأزمة إلى:
قضية أمن قومي
سابعًا: ما الذي يجب أن يتغير؟
1. كسر احتكار التوريد
أي سوق يدار من فاعل واحد… هو سوق هش
2. فرض تعدد الموردين
لخلق توازن حقيقي
3. بناء مخزون استراتيجي
لا يقل عن:
سنتين إلى ثلاث سنوات
4. تفعيل البدائل الإقليمية
مثل الجزائر:
قرب جغرافي
قدرة إنتاجية
إمكانية تموين بري
5. إعادة ضبط السوق
رقابة صارمة
منع الامتناع عن البيع
تدخل سريع عند الأزمات
في ظل هذا الواقع الخطير قامت السلطات العمومية الموريتانية ببعض الإجراءات لمحاولة ردع التجار عن الاحتكار حتى لا تتفاقم الأزمة إلا أن تلك الإجراءات زلت على استحياء ولا تتناسب مع حجم الخطر المحدق بالمواطنين فحين تصل خنشة القمح لألف أوقية جديدة وكذلك خنشة العلف بنفس الرقم إلى جانب ارتفاع الأسعار بقية المواد التي تعتبر مواد استيراتيجية ذات أهمية للحياة المواطنين فالأمر يرقى لجريمة تحريض على ثورة جياع وتهديد لاستقرار البلد السياسي والاجتماعي.
يمكننا القول: إن ما يحدث من باسكنو إلى كرمسين ليس سلسلة أزمات منفصلة، بل:
أزمة وطنية تتجلى في كل مكان
والسؤال لم يعد: “لماذا ارتفعت الأسعار؟”
بل:
لماذا لم يكن النظام الاقتصادي مستعدًا لهذا الارتفاع؟



