لم يعد ما تبثه وسائل الإعلام الرسمية في مالي مجرد تغطية للأحداث، بل تحول إلى امتداد مباشر للمعركة. التقرير الأخير الذي بثه التلفزيون الرسمي المالي، وما رافقه من اتهامات صريحة أو ضمنية لموريتانيا بكونها مصدرًا لتدفق السلاح نحو الجماعات المسلحة، لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق العملياتي المتدهور في الداخل المالي.
الأخطر من ذلك ليس مضمون الاتهام في حد ذاته، بل تزامنه مع سلوك ميداني استفزازي: دخول عناصر مالية إلى مناطق داخل التراب الموريتاني، والتدخل في مشروع مدني (ورشة بناء مدرسة)، وفرض منطق إداري تابع لباماكو داخل سيادة دولة أخرى.
هنا نحن لا أمام أزمة خطاب، بل أمام:
محاولة إعادة تعريف الحدود عبر الضغط منخفض الحدة.
ومن أجل تفكيك هذه الرموز لفهم الواقع الجيوساسي الذي تحاول مالي تمريره عبر عدة طرق ومحاولات لاستفزاز موريتانيا، سنتناول الموضوع من خلال النقاط التالية:
أولًا: الدعاية كغطاء لخلل ميداني
في البيئات المستقرة، الإعلام يواكب القرار.
أما في البيئات المضطربة، فالإعلام يصبح:
أداة لتعويض الفشل الميداني
ما تقوم به باماكو اليوم يتبع هذا النمط بدقة:
توسع غير مسبوق للجماعات المسلحة
عجز عن تأمين المجال الترابي
ضغط داخلي متزايد على المؤسسة العسكرية
في هذا السياق، يصبح اتهام الخارج:
وسيلة لتبرير الإخفاق
وأداة لإعادة توجيه الرأي العام
لكن المشكلة أن هذا التكتيك، عندما يُستخدم بكثافة، يتحول إلى:
قيد على صانع القرار نفسه
لأنه يصبح ملزمًا بالتصعيد حتى لا يفقد مصداقيته داخليًا
ثانيًا: من سردية إعلامية إلى سلوك ميداني
التحول الأخطر في هذه الأزمة هو الانتقال من:
خطاب إعلامي
إلى:
فعل ميداني مباشر
حادثة دخول عناصر مالية إلى قرى داخل موريتانيا، وإيقاف ورشة بناء مدرسة بحجة “ضرورة الترخيص من باماكو”، ليست حادثة عابرة، بل تحمل ثلاث دلالات عميقة:
1. اختبار الحدود
محاولة جس نبض الرد الموريتاني:
هل سيكون دبلوماسيًا؟
أم ميدانيًا؟
2. خلل في القيادة والسيطرة
تصرف بهذا الحجم لا يحدث إلا في حال:
ضعف الانضباط
أو غياب وضوح الأوامر
3. بداية فرض واقع تدريجي
وهو أخطر السيناريوهات:
خلق سوابق ميدانية تتحول لاحقًا إلى “أمر واقع”
ثالثًا: تفكك البيئة العسكرية داخل مالي
لفهم هذا السلوك، يجب النظر إلى البنية العسكرية في مالي اليوم:
تعدد الفاعلين
الجيش النظامي
عناصر مرتبطة بـ مجموعة فاغنر
مليشيات محلية
شبكات قبلية مسلحة
هذا التعدد لا يعني قوة، بل:
تشظي القرار العملياتي
تفاوت الخبرة الميدانية
العديد من الوحدات المنتشرة:
لا تمتلك معرفة دقيقة بالجغرافيا الحدودية
ولا بالتركيبة الاجتماعية للسكان
وهذا يؤدي إلى:
سوء تقدير
قرارات ميدانية خاطئة
احتكاكات غير ضرورية
فقدان السيطرة على الموارد
في مناطق واسعة من مالي:
مخازن سلاح خارج السيطرة
شبكات تهريب نشطة
وهنا تظهر المفارقة:
السلاح الذي يُتَّهم الخارج بتوفيره… جزء منه يتسرب من الداخل
رابعًا: هل موريتانيا هدف… أم أداة؟
السؤال الحقيقي ليس:
هل مالي تتهم موريتانيا؟
بل:
لماذا موريتانيا تحديدًا؟
الجواب الاستراتيجي:
1. موريتانيا تمثل حالة استقرار نسبي
وهذا يجعلها:
مرجعًا ضمنيًا للمقارنة
ومصدر إزعاج غير مباشر
2. موقعها الجغرافي
تشكل:
عمقًا لوجستيًا محتملًا
وحدودًا يصعب ضبطها بالكامل
3. خيار “الهدف الآمن سياسيًا”
اتهام موريتانيا:
أقل تكلفة من مواجهة أطراف أخرى
ولا يجر ردودًا دولية حادة
بالتالي:
هي ليست الهدف الحقيقي… بل الأداة الأسهل
خامسًا: البعد الخفي… صراع النفوذ في منطقة الساحل
ما يحدث لا يمكن فصله عن التحولات الكبرى:
تراجع النفوذ الغربي التقليدي
صعود أدوار روسية
حضور تركي وصيني متزايد
اهتمام أمريكي مستمر
في هذا السياق:
كل توتر ثنائي قابل لأن يصبح ورقة في لعبة أكبر
وهنا تبرز فرضية خطيرة:
أن بعض الفاعلين قد يستفيد من توتير العلاقة بين مالي وموريتانيا
لإعادة ترتيب موازين النفوذ في المنطقة.
سادسًا: خطر “الانزلاق غير المقصود”
أخطر ما في الوضع الحالي هو أنه:
لا يحتاج قرارًا بالحرب ليصل إليها
يكفي:
جندي متوتر
معلومة خاطئة
أو تقدير سيئ
ليحدث:
إطلاق نار
سقوط ضحايا
تصعيد إعلامي
ثم أزمة دبلوماسية
وهذا ما يسمى في الأدبيات الأمنية: (التصعيد بالخطأ)
سابعًا: حدود الصبر الموريتاني
حتى الآن، تتعامل موريتانيا عبر:
– ضبط النفس
– الرد بالمعلومة
– تجنب التصعيد
لكن هذا النهج له سقف واضح، إذا تكرر:
اختراق الحدود
أو المساس بالسيادة
أو استهداف المواطنين
فإن المعادلة ستتغير من:
احتواء → إلى ردع
ثامنًا: السيناريو القادم (التقدير الواقعي)
الأرجح ليس حربًا شاملة، بل:
1. استمرار التصعيد الإعلامي
2. تكرار الاحتكاكات المحدودة
3. ضغط نفسي وسياسي على الحدود
لكن الخطر الحقيقي:
أن يتحول هذا النمط إلى حادث واحد كبير… يغير كل شيء
يمكننا القول: إن ما يحدث ليس أزمة بين دولتين ، بل أزمة تتفاقم داخل دولة واحدة.
وما يبدو كتصعيد من مالي اتجاه موريتانيا هو في جوهره وحقيقته مجرد تجلي وانعكاس لأزمة داخلية في بنية القرار المالي التي تعاني في الأصل من عدة جوانب :
– ضغط ميداني
– ارتباك قيادي
– بيئة إقليمية معقدة
ولذلك هذه الضغوط مجتمعة ولدت داخل النظام الحاكم في مالي رغبة جامحة في العثور على جهة أو مساحة لتفريغ هذه الضغوط، وهو ما يفسر البحث عن عدو بين الجيران أو اختلاقه أو استفزازه كما حدث قبل فترة حين حصل اختراق للأجواء الجزائرية من قبل السلطات الحاكمة في مالي بارسال طائرة استطلاع بدون طيار وهو ما قابلته الجزائر بحزم وأسقطت الطائرة وانفجرت بذلك أزمة دبلوماسية بين الجزائر وباماكو.
ونفس السيناريو تريد السلطات الحاكمة في مالي أن تجعل موريتانيا أمام اختبار صعب :
– إما الاستمرار في سياسة ضبط النفس وتحمل المزيد من حماقات الجيش المالي والفيلق الروسي، وهو ما يهدد الحوزة الترابية الوطن وامكانية تعرضه لغزو في أي لحظة.
– المواجهة بشكل حاسم وحازم لهذه الحماقات ووضع حد لها بوضع الجيش في حالة تعبئة عامة وإعلان إغلاق الحدود والدخول في احتكاك مباشر مع الجيش المالي في حالة اختراقه للحدود الموريتانية مما يعني اندلاع حرب في أي لحظة.




