
ليس جديدًا أن تتأثر أسواق الطاقة العالمية بالتوترات الجيوسياسية، ولا أن تُستخدم أحداث كبرى—مثل التصعيد بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة أو التلويح بإغلاق مضيق هرمز—لتفسير اضطرابات محلية. لكن الجديد، وربما المقلق، هو استخدام هذه العوامل كغطاء لتفسير أزمة كان يمكن تفاديها.
ما يحدث اليوم لا يعكس فقط تأثرًا ببيئة دولية مضطربة، بل يكشف خللًا هيكليًا في إدارة سوق المحروقات. فحين يتم تركيز التوريد في يد فاعل واحد، دون رقابة فعالة أو التزام واضح بمستويات مخزون آمنة، فإن أي تأخر في الإمداد يتحول تلقائيًا إلى أزمة.
الأسواق لا تعمل بالنوايا، بل بالحوافز. وعندما لا تكون هناك تكلفة حقيقية للفشل، يصبح تقليص المخزون خيارًا اقتصاديًا عقلانيًا للشركات، حتى وإن كان كارثيًا على المستوى الوطني.
الأخطر من ذلك، أن طريقة إدارة الأزمة ساهمت في تعقيدها. فبدل أن يؤدي الإعلان عن إجراءات الاحتواء إلى طمأنة السوق، أدى إلى نتيجة معاكسة: تسارع التخزين، وارتفاع الأسعار، وعودة السوق السوداء. إنها مفارقة معروفة في الاقتصاد: التوقعات قد تكون أكثر تأثيرًا من الوقائع.
اليوم، لم تعد القضية مجرد نقص في الوقود، بل اختبار لقدرة الدولة على إدارة سوق حساس دون أن تفقد السيطرة على توازناته. وإذا ما استمر الوضع على هذا النحو، فإن الأزمة مرشحة للانتقال من بعدها الاقتصادي إلى بعد سياسي، حيث تبدأ الأسئلة الصعبة بالظهور: من المسؤول؟ ولماذا لم يتم الاستباق؟
ومع ذلك، لا يزال بالإمكان احتواء الموقف، شرط الاعتراف بأن المشكلة ليست فقط في الخارج، بل في بنية السوق نفسها. فتنويع الموردين، وفرض مخزون استراتيجي، واستعادة الانضباط الرقابي، ليست رفاهية، بل ضرورة.
لأن الأزمات قد تكون عابرة، لكن سوء إدارتها هو ما يحولها إلى نقطة تحول.
وفي مثل هذه الأزمات، تُظهر التجارب المقارنة أن الدول التي تمتلك هوامش مناورة حقيقية ليست بالضرورة تلك التي تعتمد على وفرة الموارد، بل التي تنجح في تنويع قنوات الإمداد وتقليل اعتمادها على المسارات عالية المخاطر. فالجغرافيا، في أحيان كثيرة، توفر بدائل أكثر استقرارًا من الأسواق البعيدة والمتقلبة، خاصة عندما يتعلق الأمر بخطوط إمداد برية قريبة وقابلة للتفعيل في أوقات الضغط. وفي هذا السياق، تبرز الجزائر كخيار إقليمي منطقي بحكم القرب الجغرافي وتوفر الموارد الطاقوية، ما يجعل التفكير في شراكات عملية معها—إلى جانب موردين آخرين—جزءًا من مقاربة وقائية لتخفيف أثر الصدمات، بدل الاكتفاء بردود الفعل الظرفية التي تفرضها الأزمات عند وقوعها.




