
قرأتُ، كما قرأ كثيرون، مقالة الأخت الفاضلة النانه بنت محمد الأغظف، فوجدتُ فيها بوحًا وطنيًّا صادقًا، واستحضارًا عميقًا لجراح التاريخ، وتساؤلًا مشروعًا عن شكل الدولة التي نريد، والوطن الذي نُفكّر فيه جميعًا حين نضع رؤوسنا على الوسادة ليلًا.
ولا يفوتني أن أُثمن قدرة الكاتبة المتميزة على التعبير بدقة وعمق، وتحليل الواقع الوطني بموضوعية نادرة، ما يجعل مقالتها مرآة صادقة للواقع وتحدياته.
ولأنّ هذه المقالة نبشت في العمق، ولامست جراحًا غير مندملة، فإنها تستحق أن نتوقّف عندها لا للدفاع، بل للفهم، ولا للردّ بل للتأمل في واقعٍ يتحوّل – ولو ببطء – في اتجاهات قد تمثّل في جوهرها بداياتٍ للإجابة على بعض ما طُرح من أسئلة.
نعم، لم تُعلَن “ثورة على الماضي”، ولم تُرفَع شعارات “القطيعة”، لكن شيئًا ما بدأ يتحرك في العمق، بهدوء، وبتؤدة. وهو ما يدفعنا لإعادة قراءة الواقع، لا بوصفه استمرارًا للمراوحة، بل كمحاولة جادة لتفكيك التركة دون كسر الأواني.
فحين تبدأ الدولة في التحرر من الولاءات الضيقة لصالح الصالح العام، وحين يصبح المواطن في أعماق الهامش شريكًا في تحديد الأولويات، لا مجرّد رقم في الإحصاءات، فإننا نكون قد بدأنا، فعليًا، الردّ على سؤال الدولة العادلة.
وحين يُعاد الاعتبار للمؤسسة لا للشخص، وللخدمة العمومية لا للوساطة، فإننا نقترب من إعادة بناء ذلك العقد الاجتماعي الغائب، الذي أشارت إليه الكاتبة الفاضلة بكثير من الصدق والمرارة.
وحين تتجه السياسات إلى محاربة الغبن والإقصاء، وتتحول مناطق الظل إلى بؤر اهتمام تنموي، وتُفتح مسارات الإدماج والمواطنة عبر مبادرات ملموسة في التعليم، والصحة، والحماية الاجتماعية، فإن بناء الأمة لم يعد فكرة مؤجلة، بل واقعًا يتشكّل، حتى لو ببطء.
ولعل من أبرز هذه المبادرات ذات الدلالة العميقة، إطلاق برنامج الامتياز الجمهوري سنة 2024، الذي سهّل لأبناء الأسر المسجّلة في السجل الاجتماعي الولوج إلى مؤسسات التعليم النوعي، عبر تخفيض شروط النجاح الخاصة بهم. كما جاء قرار تعميم منحة التعليم العالي سنة 2025 على جميع الناجحين من هذه الأسر، بغض النظر عن المعدلات، ترجمة فعلية لمبدأ تكافؤ الفرص والإنصاف.
ثم، كيف يمكن الحديث عن “اختراع الأمة” دون التوقف عند الجهود السياسية التي تسعى – بصبر ومسؤولية – إلى صهر الطاقات الوطنية في مشروع حوار جامع؟
لقد اختار النظام، منذ السنوات الأولى، ألا يكتفي بالتدبير الإداري، بل أن يفتح الباب أمام نقاش وطني هادئ، هدفه رسم معالم رؤية إصلاحية مشتركة، تتجاوز الاصطفافات، وتستدعي الجميع – معارضة وموالاة ومجتمعًا مدنيًا – إلى طاولة الوطن.
لقد كان من اللافت أن تفتح الدولة فضاءً تُطرح فيه الأسئلة بدل أن تُقمع، وأن تُناقش فيه الهويات بدل أن تُختزل. وهذا في حد ذاته مكسب لم يكن ممكنًا قبل سنوات.
وهذا السعي للحوار، بكل ما فيه من رهان وتحدٍّ، ليس تفصيلًا سياسيًا، بل هو في صميم فكرة “اختراع الأمة” التي طالبت بها الكاتبة الفاضلة: أمة تُبنى عبر التفاهم لا الغلبة، وعبر التشارك لا الإقصاء، وعبر هندسة جماعية للمستقبل، لا فرضٍ أحاديٍّ للرؤى.
أما على مستوى العدالة، فما يجري اليوم من إعادة هيكلة شاملة للقطاع، ومن تعزيز استقلال القضاء، ومن محاربة الفساد حتى داخل الأجهزة ذاتها، ليس مسارًا سهلًا ولا سريعًا. فالفساد متجذر، وشبكاته متداخلة، واستئصاله لا يتم بقرار إداري، بل بإرادة صلبة تتدرج وتثابر وتتحمل كلفة المواجهة. ومع ذلك، فإن الاعتراف بعمق الأزمة واختيار مقاربتها من الداخل، يمثل تحولًا جوهريًا لا يمكن إنكاره.
لقد اختار هذا النظام أن يعمل لا أن يصرخ. أن يعالج لا أن يواجه بالمزايدات. أن يُصلح دون أن يُشهر. وفي زمن التحشيد والضجيج، فإن انتهاج هذا المسار الهادئ، الواقعي، المتصالح مع ذاته ومجتمعه، هو في حد ذاته ثورة صامتة… لكنها حقيقية.
ومع ذلك، لا بد أن نُقرّ بأن هذا التحول – برغم إشراقاته – لا يزال هشًا، ومحفوفًا بالمثبطات. فالمجتمع ما زال يطلب المزيد، ويستشعر البطء أحيانًا، ويخشى من انتكاسات لا تزال ممكنة. ولذلك، فإن نجاح هذا المسار مشروط بمدى قدرته على توسيع قاعدة الثقة، وتكريس الشعور الجمعي بأنّ الدولة تسير في الاتجاه الصحيح.
لكن هذا البناء لن يكتمل ما لم يتحوّل وعي المجتمع ذاته، من منطق المطالبة إلى منطق المشاركة، ومن ثقافة التذمّر إلى ثقافة البناء.
هكذا نفهم القيادة الإصلاحية:
القيادة التي لا تدّعي امتلاك الحقيقة، لكنها تخلق شروط ولادتها. القيادة التي لا تصرخ، بل تعمل. التي لا تُملي، بل تُشرك. والتي تعرف أن اختراع الأمة لا يتم بخطاب واحد، بل بخطوات عديدة، متدرجة، صبورة… ولكنها واثقة.
إن دعوة الأخت الفاضلة النانه بنت محمد الأغظف لاختراع الأمة، دعوة نبيلة وملهمة، تنمّ عن وعي عميق وإحساس وطني رفيع.
لكنّ الإنصاف يقتضي أن نقول:
ربما بدأ هذا الاختراع بالفعل… من حيث لم ينتبه كثيرون.
فما نراه اليوم ليس استمرارًا للبنية القديمة، ولا قطيعة ثورية معها، بل إعادة بناء هادئة، بعقل الدولة، وبروح الأمة، ووفق منطق التغيير الممكن لا التغيير المستحيل.
وما هذه القرارات الإصلاحية – في التعليم، والعدالة، والسياسات الاجتماعية، وفتح أبواب الحوار – سوى دليل على أن الأجوبة بدأت تُكتب بالفعل، حتى قبل أن تُطرح بعض الأسئلة.
فهل نملك، كمجتمع، ما يكفي من الصبر والبصيرة لمواكبة هذه الولادة الهادئة لأمةٍ طال انتظارها؟
محمد لحظانه/ المستشار الفني لوزير التجهيز والنقل – مكلف بالنقل الجوي




