آراءالرئيسية

سقوط البروتوكول: حين تُختزل هيبة الدولة على موائد غير رسمية/ محمد سيدأحمد بوبه

في مشهد يختزل إشكالية عميقة تتجاوز حدود اللقاء الاجتماعي العابر، تطرح صورة اجتماع بعض الشخصيات الرسمية الموريتانية حول مائدة يتوسطها مدوّن أجنبي أسئلة ثقيلة تتعلق بالبروتوكول، والسيادة الرمزية، وحدود التفاعل بين الفاعلين الرسميين وغير الرسميين في الدولة.
إن الدولة، بوصفها كيانًا سياديًا، لا تُقاس فقط بقدراتها الأمنية أو الاقتصادية، بل كذلك بمدى انضباط ممثليها لقواعد السلوك الرسمي، واحترامهم للتراتبية البروتوكولية التي تحكم العلاقات العامة والدبلوماسية. وفي هذا السياق، فإن حضور مسؤولين رسميين لمائدة يديرها مدوّن من المملكة العربية السعودية، خارج الأطر المؤسسية الواضحة، يمثل خللًا مزدوجًا: خلل في التقدير، وخلل في الفهم العميق لمعنى التمثيل الرسمي.
أولًا: الخلط بين الخاص والعام
أحد أبرز مظاهر الخطأ هنا هو غياب الفصل بين الصفة الشخصية والصفة الاعتبارية. فالمسؤول، بمجرد توليه منصبًا في موريتانيا، يصبح حاملًا لرمزية الدولة حتى خارج مكتبه. وبالتالي، فإن حضوره لأي نشاط، خصوصًا في سياق حساس أو مع أطراف أجنبية، لا يمكن اعتباره فعلًا شخصيًا بريئًا.
ثانيًا: خرق قواعد البروتوكول
البروتوكول ليس شكليات فارغة، بل هو نظام دقيق يهدف إلى حماية هيبة الدولة وتنظيم علاقاتها. ومن أبجدياته:
تحديد طبيعة اللقاء (رسمي/غير رسمي)
معرفة الجهة الداعية وخلفياتها
ضبط مستوى التمثيل بما يتناسب مع الطرف المقابل
في هذه الحالة، يبدو أن هذه القواعد تم تجاوزها بشكل واضح، حيث تم منح فاعل غير رسمي—مدوّن—مساحة رمزية لا تتناسب مع صفته، عبر جمع شخصيات ذات وزن رسمي حوله.
ثالثًا: مخاطر الاختراق الناعم
في عالم اليوم، لم تعد الاختراقات تقتصر على العمل الاستخباراتي التقليدي، بل أصبحت تعتمد على ما يُعرف بـ”القوة الناعمة” و”التأثير غير المباشر”. والمدونون، وصنّاع المحتوى، قد يتحولون—عن قصد أو بدونه—إلى أدوات تأثير، خصوصًا عندما يتم تقديمهم في موقع مركزي داخل مشهد يضم مسؤولين رسميين.
هذا النوع من المشاهد قد يُقرأ كرسالة:
بأن النخب الرسمية قابلة للاحتواء
أو أنها تفتقر إلى الحس الأمني والسيادي
أو أنها لا تدرك أبعاد الصورة العامة
رابعًا: الضرر الرمزي
قد لا يكون لهذا اللقاء أثر مباشر على السياسات، لكنه يخلّف ضررًا رمزيًا بالغًا:
إضعاف صورة الدولة وهيبتها
خلق انطباع بغياب الانضباط داخل النخبة
فتح الباب أمام تأويلات سياسية وإعلامية قد تستغل داخليًا وخارجيًا
خامسًا: المسؤولية والمحاسبة
في الأنظمة التي تحترم نفسها، لا يُنظر إلى مثل هذه الوقائع باعتبارها “هفوات”، بل كمؤشرات على خلل في التكوين السياسي والإداري. ومن هنا، فإن المساءلة لا ينبغي أن تكون انتقامية، بل إصلاحية، تبدأ بـ:
إعادة تأهيل المسؤولين في مجال البروتوكول والدبلوماسية
وضع مدونات سلوك واضحة
تفعيل الرقابة على التمثيل الخارجي غير الرسمي.

يمكننا القول : إن المشكلة هنا ليست في شخص المدوّن، ولا في جنسيته، بل في الطريقة التي تم بها منحه موقعًا يتجاوز وزنه الطبيعي داخل مشهد رسمي. إن الدولة التي لا تحمي رموزها، ولا تضبط سلوك ممثليها، تفتح الباب أمام تآكل هيبتها من الداخل قبل الخارج.
والسيادة، في جوهرها، ليست فقط حدودًا تُحمى، بل أيضًا صورة تُصان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى