
تشير المعطيات الأخيرة إلى توقيف وحدات من موريتانيا لسيارتين وشاحنة يُشتبه في ارتباطها بعناصر من جبهة البوليساريو بعد دخولها بشكل غير قانوني إلى الأراضي الموريتانية، في حادثة تتجاوز بعدها الأمني المباشر لتلامس توازنات إقليمية دقيقة، خصوصًا في ظل التوتر المرتبط بملف الصحراء.
اختراق أمني أم رسالة سياسية؟
لا يمكن قراءة هذا الحادث بمعزل عن السياق الإقليمي، إذ يعكس:
– محاولة اختبار صرامة الموقف الموريتاني
– استغلال الهشاشة الجغرافية للمناطق الحدودية
– تحويل الأراضي الموريتانية إلى ممر أو منصة عمليات غير مباشرة
لكن توقيف العناصر بشكل فوري يرسل رسالة واضحة مفادها أن نواكشوط لن تسمح بتغيير قواعد اللعبة على أراضيها.
الدور الجزائري: إدارة الأزمة في الظل
تشير المعطيات إلى تحرك الجزائر عبر قنوات رسمية للتفاوض من أجل الإفراج السريع وغير العلني عن الموقوفين، وهو ما يعكس:
– رغبة في احتواء الحادث دبلوماسيًا
– تفادي تدويل القضية، خاصة أمام الولايات المتحدة
– منع تأثيرها على مسار المفاوضات الجارية حول الصحراء
هذا السلوك يعكس إدراكًا لحساسية الظرف، حيث يمكن لأي تصعيد إعلامي أن يعيد خلط الأوراق.
تصعيد محتمل: توسيع رقعة التوتر جنوبًا
في المقابل، تتحدث معلومات عن تحركات يقودها إبراهيم غالي (المعروف إعلاميًا في بعض الأوساط باسم “بن بطوش”) لتعبئة عناصر إضافية وإرسالهم نحو المناطق المحاذية لـ موريتانيا.
الهدف المحتمل من هذه التحركات:
– تنفيذ عمليات تستهدف مدنًا في المغرب قريبة من الحدود
– إرباك المسار التفاوضي الجاري
– فتح جبهة توتر جديدة في الشمال بدل التركيز على الجبهة التقليدية
وهذا السيناريو، إن تحقق، سيحوّل أقصى الشمال الموريتاني إلى منطقة تماس غير مباشر في نزاع إقليمي معقد.
موريتانيا: سياسة الحياد الصارم تتحول إلى ردع نشط
تُظهر موريتانيا في هذا السياق موقفًا متقدمًا يتجاوز الحياد التقليدي إلى ما يمكن وصفه بـ الحياد الحازم، من خلال:
توقيف وسجن أي عنصر مسلح يدخل الأراضي الوطنية
رفض استخدام أراضيها كممر أو قاعدة خلفية
التعامل الأمني الصارم مع أي خرق للسيادة
هذا التحول يعكس إدراكًا بأن الحياد السلبي لم يعد كافيًا في بيئة إقليمية متفجرة.
المخاطر الاستراتيجية المحتملة
رغم هذا الموقف، تواجه موريتانيا عدة تحديات:
1. خطر التحول إلى ساحة تصفية حسابات
في حال تصاعد التوتر بين جبهة البوليساريو والمغرب.
2. ضغط دبلوماسي متزايد
من أطراف إقليمية تسعى لتوجيه مسار الأحداث.
3. هشاشة المجال الحدودي
الذي قد يُستغل لتمرير عناصر أو تنفيذ عمليات محدودة.
من جهة أخرى يمكن قراءة أعمق لما يجري : حيث يمكن تفسيره من الناحية الاستيراتيجية على أنه صراع ممرات ونفوذ
لأن ما يجري لا ينفصل عن صراع أوسع على:
المجال الجيوسياسي في غرب الصحراء والساحل
طرق النفوذ بين الجزائر والمغرب
إعادة رسم مناطق التأثير في ظل تحولات دولية متسارعة
وفي هذا السياق، تصبح موريتانيا:
دولة حاجز (Buffer State)
لكن أيضًا دولة مفصل (Pivot State) يمكن أن ترجح كفة التوازن.
خيارات موريتانيا الاستراتيجية
أمام هذه المعطيات، تمتلك موريتانيا عدة خيارات:
1. تعزيز الردع الحدودي
تكثيف الدوريات
استخدام المراقبة الجوية
إنشاء نقاط متقدمة
2. ضبط التوازن الدبلوماسي
الحفاظ على علاقات متوازنة مع الجزائر والمغرب
رفض أي ضغط يمس السيادة
3. منع تدويل الأزمة على حسابها
تجنب التحول إلى طرف في النزاع
إبقاء الملف تحت السيطرة الوطنية
يمكن القول : إن حادثة توقيف عناصر مرتبطة بـ جبهة البوليساريو داخل الأراضي الموريتانية ليست مجرد خرق أمني، بل مؤشر على:
محاولة نقل التوتر الإقليمي إلى المجال الموريتاني
وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن موريتانيا تتجه نحو ترسيخ معادلة جديدة:
حياد صارم + ردع ميداني + توازن دبلوماسي
وهي معادلة، إن نجحت، قد تجعلها أحد أهم صمامات الأمان في منطقة تتجه نحو مزيد من التعقيد.




