
تشكل التطورات الأخيرة على الشريط الحدودي الجنوبي لموريتانيا، خاصة في المناطق المحاذية لولاية كيدي ماغا وولاية لعصابة، مؤشرًا مقلقًا على تحوّل نوعي في طبيعة التهديدات الأمنية القادمة من العمق المالي. فالمعطيات المتداولة حول تنفيذ وحدات من الجيش المالي، مدعومة بعناصر من شركة مجموعة فاغنر، عمليات مطاردة داخل المجال الترابي الموريتاني، تضع نواكشوط أمام معادلة معقدة تجمع بين تحديات السيادة، وضبط الحدود، وحماية المواطنين، وتفادي الانزلاق إلى تصعيد غير محسوب.
هذه الحادثة، بغض النظر عن حجمها الميداني، تكشف عن تحوّل أعمق في بيئة التهديد، حيث لم تعد الحدود مجرد خطوط فاصلة بين دولتين، بل أصبحت فضاءً رماديًا تتداخل فيه العمليات العسكرية، والتحركات غير النظامية، ونشاط الجماعات المسلحة، في مشهد إقليمي يتسم بعدم اليقين.
أولًا: من “حدود هادئة” إلى “منطقة تماس نشطة”
لطالما اعتُبرت الحدود الموريتانية–المالية، رغم هشاشتها البنيوية، أقل توترًا مقارنة بمناطق أخرى في الساحل. غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى انتقال هذه الحدود من وضع “المراقبة” إلى وضع “الاحتكاك المباشر”.
المنطقة الممتدة من مركز هامد الإداري إلى مناطق مثل الملكة وتناها، لم تعد مجرد نقاط عبور تقليدية، بل تحولت إلى:
– ممرات محتملة لتحركات جماعات مسلحة مثل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين
– مجال عمليات للقوات المالية وحلفائها
– فضاء هش تتداخل فيه حياة المدنيين مع ديناميكيات الصراع
هذا التحول يفرض إعادة تقييم شاملة لطبيعة الانتشار الأمني والعسكري في هذه المناطق.
ثانيًا: إشكالية السيادة في بيئة العمليات العابرة للحدود
أي توغل عسكري داخل الأراضي الوطنية، مهما كانت مبرراته، يطرح إشكالًا سياديًا لا يمكن تجاهله. غير أن التعقيد في الحالة الراهنة يكمن في طبيعة التهديد نفسه:
– الجماعات المسلحة لا تعترف بالحدود
– القوات المالية تنفذ عمليات مطاردة “ساخنة”
– الفاعلون الدوليين (مثل فاغنر) يضيفون عنصرًا غير تقليدي في المعادلة
في هذا السياق، تجد موريتانيا نفسها أمام معادلة دقيقة:
كيف تحمي سيادتها دون أن تدخل في مواجهة مباشرة مع عمليات موجهة أصلًا ضد جماعات تهدد الاستقرار الإقليمي؟
الحل لا يكمن فقط في الرد العسكري، بل في بناء آليات تنسيق ميداني واستخباراتي واضحة تمنع تكرار مثل هذه الحوادث، دون التفريط في مبدأ السيادة.
ثالثًا: هشاشة الانتشار العسكري الحالي
المعطيات الميدانية تشير إلى أن الحاميات العسكرية القائمة، مثل حامية ولد ينج، رغم أهميتها، لا يمكنها تغطية كامل الشريط الحدودي الجنوبي، خصوصًا في ظل:
اتساع الرقعة الجغرافية
صعوبة التضاريس
سرعة تحرك التهديدات غير النظامية
هذا الواقع يطرح بوضوح ضرورة الانتقال من نموذج “التمركز الثابت” إلى نموذج “الانتشار المرن”، القائم على:
– نقاط ارتكاز متقدمة
وحدات تدخل سريع
– دعم جوي مستمر
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية إنشاء قاعدة عسكرية في منطقة هامد، ليس فقط كخيار تكتيكي، بل كجزء من إعادة هندسة شاملة للمنظومة الدفاعية في الجنوب.
رابعًا: البعد الاستخباراتي… الحلقة الأكثر حساسية
في مثل هذه البيئات، لا تُحسم المعارك بالقوة فقط، بل بالمعلومة. فنجاح أي انتشار عسكري يظل مرتبطًا بمدى دقة المعلومات حول:
– تحركات الجماعات المسلحة
– مسارات التهريب
ديناميكيات المجتمعات المحلية
المنطقة الحدودية الجنوبية تتميز بتركيبة اجتماعية معقدة، حيث تمتد الروابط القبلية والعائلية عبر الحدود، ما يجعل من الصعب التمييز بين “الحركة الطبيعية” و”النشاط المشبوه”.
وهنا تبرز أهمية:
– بناء شبكات إنذار مبكر محلية
– تعزيز العمل الاستخباراتي البشري (HUMINT)
– دمج البعد الاجتماعي في التحليل الأمني
خامسًا: المواطن… الحلقة الأضعف في معادلة معقدة
أخطر ما في هذه التطورات ليس فقط البعد العسكري، بل انعكاسها المباشر على المواطنين في المناطق الحدودية، الذين يجدون أنفسهم:
بين مطرقة الجماعات المسلحة
وسندان العمليات العسكرية العابرة للحدود
أي خلل في إدارة هذا الملف قد يؤدي إلى:
فقدان الثقة في الدولة
نزوح داخلي
خلق بيئة حاضنة للتوتر
لذلك، فإن أي مقاربة أمنية يجب أن ترافقها إجراءات موازية:
حماية المدنيين
تعزيز حضور الدولة الخدمي
بناء جسور الثقة مع السكان المحليين
سادسًا: البعد الإقليمي… موريتانيا في قلب توازنات جديدة
لا يمكن فصل ما يحدث عن السياق الأوسع في الساحل، حيث يشهد الإقليم:
– تصاعد دور الفاعلين غير التقليديين بالمجال الأمني والعسكري كمجموعات فاغنير الروسية.
– تراجع أنماط التعاون الأمني التقليدية
– إعادة تشكيل التحالفات العسكرية
في هذا السياق، تحاول موريتانيا الحفاظ على نموذجها القائم على:
الحياد الإيجابي
ضبط الحدود دون الانخراط في صراعات مفتوحة
الجمع بين المقاربة الأمنية والتنموية
غير أن الضغط المتزايد على الحدود الجنوبية قد يدفعها إلى مراجعة بعض أدواتها، دون التخلي عن ثوابتها.
سابعًا: نحو مقاربة استراتيجية متعددة الأبعاد
التعامل مع هذه التحديات لا يمكن أن يكون ظرفيًا أو ردّ فعل، بل يتطلب رؤية استراتيجية متكاملة تقوم على:
1. إعادة توزيع الانتشار العسكري
بإنشاء قواعد متقدمة، وتعزيز القدرات الجوية، وتطوير وحدات التدخل السريع.
2. تعزيز الاستخبارات الحدودية
من خلال الاستثمار في المعلومة، وبناء شراكات محلية فعالة.
3. تأطير العمليات العابرة للحدود
عبر قنوات تنسيق رسمية تمنع الاحتكاك وتحافظ على السيادة.
4. حماية المجتمعات المحلية
كعنصر أساسي في الأمن، وليس مجرد هامش له.
5. دمج البعد التنموي
لتقليص الهشاشة التي تستغلها مختلف التهديدات.
يمكننا القول: إن ما يحدث اليوم على الحدود الجنوبية لموريتانيا ليس حادثًا معزولًا، بل مؤشر على مرحلة جديدة من التعقيد الأمني في المنطقة. مرحلة تتطلب يقظة أعلى، ومرونة أكبر، ورؤية أعمق.
فالدولة التي تحسن قراءة حدودها، لا تحمي ترابها فقط…
بل تحمي مستقبلها أيضًا.




