آراءالرئيسية

التحولات داخل مالي وانعكاسها على الأمن الموريتاني: قراءة في التهديدات الصامتة/ محمد سيدأحمد بوبه كاتب وباحث في مجال الإعلام والاتصال

تشهد مالي منذ سنوات تحولات عميقة أعادت تشكيل طبيعة الدولة، وبنية السلطة، وخريطة التهديدات الأمنية في منطقة الساحل. هذه التحولات لم تعد شأناً داخليًا ماليًا فقط، بل أصبحت عاملاً مؤثرًا مباشرًا في البيئة الاستراتيجية لموريتانيا، بحكم الجوار الجغرافي، وتشابك المجال القبلي، وطبيعة التهديدات العابرة للحدود. إن فهم ما يجري داخل مالي لم يعد خيارًا تحليليًا، بل ضرورة أمنية واستراتيجية.
أولًا: طبيعة التحول داخل الدولة المالية

1. انتقال من الهشاشة إلى إعادة بناء السلطة

رغم الاضطرابات السياسية، تسعى السلطة في مالي إلى:
إعادة بسط السيطرة على المجال الوطني،
بناء نموذج أمني جديد،
تقليص الاعتماد على الشركاء التقليديين،
تعزيز القرار السيادي.
غير أن هذه العملية لا تزال غير مكتملة، وترافقها تحديات ميدانية معقدة.

2. عسكرة الدولة كخيار استراتيجي

تعتمد مالي بشكل متزايد على:
تعزيز القدرات العسكرية،
توسيع الانتشار الميداني،
إعادة تنظيم المنظومة الأمنية،
البحث عن شركاء جدد.
هذا التحول يغير موازين القوة في المنطقة، لكنه لا ينهي التهديدات.
ثانيًا: تحولات التهديد داخل مالي

1. تغير طبيعة الجماعات المسلحة

لم تعد الجماعات تتحرك فقط بمنطق المواجهة، بل:
تتكيف مع الضغوط العسكرية،
تتحول إلى خلايا مرنة،
تنتشر في مناطق جديدة،
تعتمد أكثر على البيئة المحلية.

2. انتقال التهديد نحو الأطراف والحدود

مع الضغط في بعض المناطق، تميل الجماعات إلى:
التحرك نحو المناطق الحدودية،
البحث عن فضاءات أقل رقابة،
استغلال الهشاشة الاجتماعية،
إعادة التموضع بدل المواجهة المباشرة.
وهنا تبرز حساسية الحدود الموريتانية–المالية.
ثالثًا: الحدود كفضاء استراتيجي حساس
الحدود بين موريتانيا ومالي ليست مجرد خط جغرافي، بل مجال تداخل اجتماعي واقتصادي وبشري.
أي تحول داخل مالي قد ينعكس عبر:
تحركات غير نظامية،
أنشطة تهريب،
انتقال أفكار متطرفة،
ضغوط أمنية غير مباشرة.
التهديد في هذه الحالة لا يأتي في شكل صدام، بل في شكل تسلل بطيء وصامت.
رابعًا: البعد الاجتماعي… العامل غير المرئي
التجارب في الساحل تؤكد أن التهديد لا يتحرك في الفراغ، بل في بيئة اجتماعية قابلة للاختراق.
ومن أبرز العوامل:
الفقر والتهميش،
ضعف الخدمات،
الفراغ الفكري،
الشعور بالهشاشة.
كلما ضعفت المناعة الاجتماعية، زادت قابلية التأثر بما يحدث خلف الحدود.
خامسًا: الانعكاسات الاستراتيجية على موريتانيا

1. أهمية الأمن الوقائي

نجاح موريتانيا خلال السنوات الماضية اعتمد على:
الاستباق بدل رد الفعل،
إدارة المجال الحدودي بفعالية،
التنسيق بين الأمن والتنمية،
فهم البيئة الاجتماعية.
لكن التحولات داخل مالي تفرض تحديث هذا النهج باستمرار.

2. ضرورة اليقظة التحليلية

التهديدات الجديدة لا تكون دائمًا واضحة، بل:
تتشكل ببطء،
تتخفى داخل التحولات الاجتماعية،
تتطور قبل أن تظهر،
تحتاج قراءة عميقة لا متابعة سطحية.

3. التوازن الاستراتيجي

في بيئة إقليمية متحولة، تحتاج موريتانيا إلى:
الحفاظ على الاستقرار الداخلي،
تجنب الانخراط في صراعات المحاور،
تعزيز قدرتها الدفاعية،
تطوير أدوات الفهم والتحليل.
سادسًا: سيناريوهات المستقبل
السيناريو الأول: استقرار تدريجي داخل مالي
يؤدي إلى:
تقليص التهديدات المباشرة،
تعزيز الأمن الحدودي،
استقرار إقليمي نسبي.
السيناريو الثاني: استمرار الهشاشة
ينتج عنه:
ضغط أمني متواصل،
تهديدات منخفضة الشدة لكنها مستمرة،
بيئة إقليمية غير مستقرة.
السيناريو الثالث: إعادة تشكل التهديد
وهو الأخطر، حيث:
تتحول الجماعات إلى نماذج جديدة،
تنتقل نحو الأطراف،
تعتمد أساليب غير تقليدية،
تستغل الهشاشة بدل المواجهة.

يمكننا القول: إن ما يجري داخل مالي ليس مجرد تحولات داخلية، بل عملية إعادة تشكيل لبيئة أمنية إقليمية كاملة. وفي مثل هذه البيئات، لا يكون التهديد دائمًا صاخبًا، بل غالبًا ما يكون صامتًا، يتشكل ببطء، ويظهر متأخرًا.
إن الرهان الحقيقي لموريتانيا يكمن في تعزيز قدرتها على الاستباق، وفهم التحولات العميقة، وبناء توازن استراتيجي يحمي الاستقرار دون انخراط في الفوضى الإقليمية. فالأمن في زمن التحولات لا يصنعه السلاح فقط، بل يصنعه الفهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى