آراءالرئيسية

الساحل الإفريقي بين عودة واشنطن وتمدد موسكو وبكين: صراع الموارد والنفوذ في قلب الجغرافيا الموريتانية / محمد سيدأحمد بوبه كاتب وباحث في مجال الإعلام والاتصال

تشهد منطقة الساحل الإفريقي في الأشهر الأخيرة تحولات جيوسياسية متسارعة، مع عودة الاهتمام الأمريكي بالمنطقة، مقابل تعاظم الحضور الروسي، وتمدد اقتصادي صيني متزايد، وتراجع ملحوظ للدور الفرنسي الذي كان لعقود الفاعل الأمني الأول. هذا المشهد الجديد لا يعكس مجرد تنافس تقليدي بين قوى كبرى، بل يشير إلى صراع عميق حول الموارد الاستراتيجية، ومسارات النفوذ، وإعادة تشكيل موازين القوة في إفريقيا.
وبالنسبة لموريتانيا، فإن موقعها الجغرافي بين المغرب العربي والساحل يجعلها في قلب هذا التحول، سواء من حيث الأمن أو التوازنات الإقليمية.
أولًا: عودة واشنطن… من مكافحة الإرهاب إلى معركة الموارد
خلال المرحلة الأخيرة، بدأت الولايات المتحدة إعادة ضبط استراتيجيتها في إفريقيا، بعد أن أدركت أن الانسحاب أو التراجع يفتح المجال أمام منافسين استراتيجيين. فواشنطن لم تعد تنظر إلى الساحل فقط كمنطقة لمكافحة الإرهاب، بل كفضاء حيوي مرتبط بـ:
المعادن الاستراتيجية (اليورانيوم، الذهب، المعادن النادرة)،
أمن الطاقة،  التنافس مع روسيا والصين.
وقد أولت إدارة ترامب اهتمامًا خاصًا بالمعادن الاستراتيجية الإفريقية ضمن سياساتها الاقتصادية والأمنية، ما يعكس تحوّلًا من المقاربة العسكرية البحتة إلى مقاربة جيو-اقتصادية طويلة المدى.

لكن التحدي الأكبر لواشنطن يتمثل في فقدان بعض قواعدها ونفوذها الأمني في الساحل، خصوصًا بعد إعادة تموضع بعض الأنظمة العسكرية الجديدة وتقاربها مع موسكو، وهو ما يهدد الاستراتيجية الأمريكية في مكافحة الجماعات المسلحة وفي مراقبة المجال الصحراوي الواسع.

ثانيًا: روسيا… النفوذ عبر الأمن والفراغ الاستراتيجي

لقد استفادت موسكو من تراجع الدور الغربي، خاصة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، لتوسيع نفوذها عبر:
التعاون العسكري المباشر،
صفقات السلاح والتدريب،
تقديم نفسها كبديل “غير مشروط سياسيًا”.
الاستراتيجية الروسية لا تقوم فقط على الحضور العسكري، بل على تحقيق موطئ قدم طويل الأمد في مناطق غنية بالموارد، مع محاولة إعادة تشكيل التوازن الدولي من بوابة إفريقيا.
ووجود دبابات وأنظمة تسليح روسية حديثة في مالي يعكس انتقال العلاقة من مستوى التعاون السياسي إلى تحالف أمني-عسكري متقدم، ما يعيد رسم الخريطة الأمنية غرب الساحل.
ثالثًا: الصين… النفوذ الهادئ عبر الاقتصاد والبنية التحتية

على عكس المقاربة الروسية الأمنية، تعتمد الصين استراتيجية طويلة المدى تقوم على:
الاستثمار في البنية التحتية،
السيطرة غير المباشرة على الموارد،
توسيع النفوذ الاقتصادي دون صدام سياسي.
فبكين تدرك أن السيطرة على سلاسل الإمداد المعدنية والطاقة تمنحها قوة استراتيجية تفوق القوة العسكرية، ولذلك تتغلغل في إفريقيا بصمت، لكنها تحقق نتائج تراكمية عميقة.
رابعًا: تراجع فرنسا… نهاية

لقد شهدت منطقة الساحل وشمال إفريقيا مرحلة الهيمنة التقليدية الفرنسية، حيث تعتبر فرنسا  الفاعل الأمني الأول في الساحل لعقود، تواجه اليوم تراجعًا واضحًا بسبب:
رفض شعبي متزايد لوجودها العسكري،
صعود أنظمة جديدة تبحث عن استقلال القرار،
منافسة روسية مباشرة،
فتور في العلاقة مع بعض الأنظمة الإفريقية.
هذا التراجع لا يعني خروج فرنسا نهائيًا، لكنه يشير إلى نهاية مرحلة الهيمنة الأحادية وبداية تعددية النفوذ.
خامسًا: الجزائر موازنة التفوق العسكري وضبط المجال الحيوي
إن تعزيز الجزائر لقدراتها الجوية والعسكرية يعكس قلقًا استراتيجيًا من التحولات الإقليمية، خاصة مع:
تصاعد النفوذ الروسي في الساحل،
هشاشة بعض الدول المجاورة،
احتمال انتقال عدم الاستقرار شمالًا.
الجزائر تسعى للحفاظ على موقعها كقوة إقليمية ضامنة للتوازن، لكنها في الوقت ذاته تتجنب الانخراط المباشر في صراعات مفتوحة.
سادسًا: ماذا يعني كل ذلك لموريتانيا؟

1. تصاعد أهمية الموقع الجغرافي

موريتانيا أصبحت نقطة توازن بين:
المغرب العربي،
الساحل،
المحيط الأطلسي.
وهذا يمنحها قيمة استراتيجية متزايدة لدى القوى الدولية.

2. تحديات أمنية محتملة

تمدد النفوذ الروسي في مالي،
احتمال انتقال الجماعات المسلحة،
تصاعد سباق التسلح في الجوار.
كلها عوامل تفرض تعزيز:
اليقظة الحدودية،
الأمن الاستباقي،
التعاون الإقليمي دون الانخراط في المحاور.

3. فرصة استراتيجية

في بيئة تنافس دولي، الدول المستقرة نسبيًا مثل موريتانيا يمكن أن:
تستفيد اقتصاديًا،
تعزز موقعها الدبلوماسي،
تحافظ على سياسة الحياد الإيجابي.
سابعًا: مستقبل الصراع في الساحل
المشهد الإقليمي يشير إلى أن الصراع لن يكون عسكريًا مباشرًا بين القوى الكبرى، بل صراع نفوذ طويل الأمد عبر:
الموارد،
الاقتصاد،
الأمن،
التأثير السياسي.
والدول التي ستنجح هي تلك التي تحافظ على توازنها الداخلي وتمنع تحوّل أراضيها إلى ساحة صراع بالوكالة.

إن منطقة الساحل تدخل مرحلة جديدة عنوانها تعدد الأقطاب وصراع الموارد والنفوذ. وبين عودة واشنطن، وتمدد موسكو، وصعود بكين، وتراجع باريس، تتشكل خريطة جيوسياسية مختلفة ستحدد مستقبل المنطقة لعقود.
أما موريتانيا، فالتحدي الحقيقي ليس في الانخراط في هذا الصراع، بل في إدارة موقعها الاستراتيجي بذكاء، وتعزيز استقرارها الداخلي، والحفاظ على توازنها الإقليمي، لأن الدول التي تحسن قراءة التحولات… هي وحدها القادرة على حماية أمنها ومصالحها في عالم يتغير بسرعة.

محمد سيدأحمد بوبه كاتب وباحث في مجال الإعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى