آراءالرئيسية

الساحل الإفريقي بين صراع القوى الكبرى وإعادة تشكيل موازين النفوذ/ محمد سيدأحمد بوبه كاتب وباحث في مجال الإعلام والاتصال

لم تعد منطقة الساحل الإفريقي مجرد فضاء هش أمنيًا أو مسرحًا لنشاط الجماعات المسلحة، بل تحولت إلى ساحة تنافس استراتيجي بين قوى دولية كبرى تسعى لإعادة رسم موازين النفوذ في إفريقيا. وفي قلب هذا التحول تتقاطع مصالح الولايات المتحدة وروسيا والصين وقوى إقليمية صاعدة، بينما يتراجع الدور الفرنسي الذي كان لعقود الفاعل الأكثر تأثيرًا في المعادلة الأمنية والسياسية للمنطقة.
هذا المشهد الجديد لا يتعلق فقط بالجغرافيا أو الأمن، بل يرتبط أساسًا بالتحكم في الموارد الاستراتيجية ومسارات النفوذ، وهو ما يضع دول المنطقة، وفي مقدمتها موريتانيا، أمام تحديات وفرص في آن واحد.
أولًا: تحوّل المقاربة الأمريكية… من مكافحة الإرهاب إلى إدارة التوازن الدولي
في المرحلة الراهنة، بدأت الولايات المتحدة إعادة تعريف حضورها في الساحل، بعد أن أدركت أن الانسحاب أو التراجع يفتح المجال أمام منافسين استراتيجيين. فالمقاربة الأمريكية لم تعد تقتصر على مكافحة الإرهاب، بل توسعت لتشمل:
حماية الوصول إلى الموارد الاستراتيجية،
الحد من التمدد الروسي،
موازنة النفوذ الصيني،
الحفاظ على طرق الطاقة والتجارة.
هذا التحول يعكس إدراكًا أمريكيًا بأن إفريقيا لم تعد هامشًا في السياسة الدولية، بل أصبحت جزءًا من معادلة التوازن العالمي. غير أن واشنطن تواجه تحديًا حقيقيًا يتمثل في فقدان بعض أدوات النفوذ التقليدية، خاصة في دول شهدت تحولات سياسية عميقة، ما يقلص قدرتها على التأثير المباشر.
ثانيًا: روسيا… استراتيجية النفوذ عبر الأمن والفراغ الجيوسياسي
استفادت موسكو من تراجع الحضور الغربي لتوسيع نفوذها في الساحل، مستندة إلى مقاربة تقوم على تقديم الدعم العسكري دون شروط سياسية معقدة، وهو ما جذب بعض الأنظمة التي تبحث عن استقلال القرار الأمني.
لكن الحضور الروسي يتجاوز البعد العسكري، إذ يهدف إلى:
تثبيت نفوذ طويل الأمد،
الوصول إلى الموارد الاستراتيجية،
توسيع هامش المناورة في التوازن الدولي.
وكلما تعمق الفراغ الأمني، ازدادت قدرة موسكو على ترسيخ موقعها، ما يجعل الصراع في الساحل صراعًا بطيئًا لكنه عميق التأثير.
ثالثًا: الصين… النفوذ الصامت طويل المدى
على عكس القوى الأخرى، تعتمد الصين مقاربة غير صدامية تقوم على الاقتصاد والاستثمار والبنية التحتية. فهي تدرك أن التحكم في الموارد وسلاسل الإمداد يمنح نفوذًا أكثر استدامة من النفوذ العسكري.
وتقوم استراتيجيتها على:
توسيع الحضور الاقتصادي،
بناء شراكات طويلة المدى،
تجنب الانخراط في النزاعات السياسية،
تحقيق نفوذ متراكم يصعب مواجهته.
وبهذا الأسلوب، تفرض الصين نفسها كفاعل استراتيجي دون إثارة حساسيات سياسية أو أمنية مباشرة.
رابعًا: نهاية مرحلة الهيمنة الفرنسية
التراجع الفرنسي في الساحل لا يعود فقط إلى التحولات السياسية، بل إلى تغير المزاج العام في المنطقة، وظهور قوى بديلة، وتآكل نموذج الهيمنة التقليدية.
ففرنسا لم تعد اللاعب الوحيد، بل أصبحت جزءًا من معادلة متعددة الأقطاب، حيث لم يعد النفوذ يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التوازن والمصالح المشتركة.
خامسًا: التحولات الإقليمية… سباق تسلح وتوازن هش
تعزيز القدرات العسكرية لبعض دول المنطقة يعكس إدراكًا متزايدًا بأن البيئة الأمنية تتجه نحو مزيد من التعقيد. فانتشار السلاح، وتبدل التحالفات، وتداخل المصالح الدولية، كلها عوامل تجعل التوازن الإقليمي هشًا وقابلًا للاهتزاز.
وفي مثل هذه البيئات، يصبح الاستقرار الداخلي هو العامل الحاسم في تحديد موقع الدولة ضمن الخريطة الجيوسياسية.
سادسًا: موقع موريتانيا في المعادلة الجديدة
1. الأهمية الجيوسياسية
موريتانيا تقع عند نقطة التقاء المغرب العربي والساحل والمحيط الأطلسي، وهو موقع يمنحها قيمة استراتيجية متزايدة في ظل التحولات الإقليمية.
2. التحدي الأمني
التحولات في الجوار، خاصة في مالي، تفرض على موريتانيا تعزيز:
الأمن الوقائي،
اليقظة الحدودية،
التنسيق الإقليمي،
إدارة المخاطر الاستباقية.
3. الفرصة الاستراتيجية
في بيئة تنافس دولي، الدول المستقرة نسبيًا تستطيع:
تعزيز مكانتها الدبلوماسية،
جذب الشراكات الاقتصادية،
الحفاظ على استقلال القرار،
تجنب الانخراط في صراعات المحاور.
سابعًا: مستقبل الصراع في الساحل
المشهد الحالي يشير إلى أن الصراع لن يكون عسكريًا مباشرًا، بل صراع نفوذ طويل الأمد عبر:
الموارد،
الاقتصاد،
الأمن،
التأثير السياسي.
وستكون الدول الأكثر قدرة على إدارة توازناتها الداخلية هي الأكثر قدرة على حماية مصالحها في هذا المشهد المعقد.

في الحقيقة الساحل الإفريقي يدخل مرحلة جديدة عنوانها تعددية النفوذ وصراع الموارد، حيث تتقاطع الاستراتيجيات الدولية في فضاء واحد. وفي هذا السياق، يصبح الرهان الحقيقي لموريتانيا هو تعزيز استقرارها، وإدارة موقعها الجغرافي بذكاء، والحفاظ على توازنها الاستراتيجي، لأن الدول التي تفهم التحولات العميقة هي وحدها القادرة على حماية أمنها ومستقبلها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى