آراءالرئيسية

الشراكة الموريتانية–الأوروبية: تقاطع الأمن والدفاع والتنمية في بيئة إقليمية مضطربة/ محمد سيدأحمد بوبه كاتب وباحث في مجال الإعلام والاتصال

في عالم يتّسم بتسارع التحولات الجيوسياسية، وتزايد التحديات الأمنية العابرة للحدود، تبرز الشراكات الاستراتيجية كخيار عقلاني للدول التي تسعى إلى حماية استقرارها وتعزيز مسارها التنموي. وفي هذا السياق، يكتسب الحوار الدوري بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي أهمية خاصة، كما أكّد ذلك معالي الوزير الأول المختار ولد أجاي خلال ترؤسه اجتماع الشراكة مع وفد الاتحاد الأوروبي، حيث يتقاطع الأمن والدفاع والتنمية في معادلة واحدة داخل منطقة الساحل المصنّفة ضمن أكثر مناطق العالم هشاشة وتعقيدًا.

هذا المقال يحاول قراءة الأبعاد الاستراتيجية لهذه الشراكة، ليس فقط كإطار تعاون ثنائي، بل كأداة توازن في فضاء إقليمي متعدد اللاعبين، تتداخل فيه رهانات الأمن مع تحديات التنمية.

أولًا: البيئة الإقليمية – ساحل ملتهب وتوازنات هشة

تقع موريتانيا في نقطة تماس جيوسياسية بين شمال إفريقيا وغربها، وفي جوار إقليمي يشهد:

تصاعد التهديدات الإرهابية في الساحل.

توسع شبكات الجريمة المنظمة والتهريب والهجرة غير النظامية.

تنافس القوى الكبرى على النفوذ والموارد.

هشاشة اقتصادية واجتماعية في الدول المجاورة.

في مثل هذه البيئة، يصبح الأمن شرطًا للتنمية، كما تصبح التنمية أداة وقاية أمنية. وهنا تتجلى أهمية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي باعتبارها شراكة شاملة تتجاوز البعد المالي إلى البعد الاستراتيجي.

ثانيًا: البعد الأمني – من المقاربة العسكرية إلى الأمن الشامل

1. الأمن كمدخل للاستقرار

الشراكة الموريتانية الأوروبية في المجال الأمني لا تقتصر على الدعم العسكري، بل تشمل:

بناء القدرات الأمنية.

التدريب والتجهيز.

دعم مراقبة الحدود.

تبادل المعلومات والخبرات.

وهذه المقاربة تتماشى مع التحول العالمي نحو الأمن الوقائي بدل الأمن التفاعلي.

2. الهجرة والأمن البشري

تُعد موريتانيا دولة عبور رئيسية، مما يجعلها في قلب المعادلة الأوروبية للهجرة. وقد شددت الحكومة على إدارة إنسانية ومنسقة لتدفقات المهاجرين، وهو ما يعكس:

توازنًا بين الالتزامات الحقوقية ومتطلبات الأمن.

إدراكًا بأن الهجرة غير المنظمة قد تتحول إلى تهديد أمني إذا لم تُدار بذكاء.

وهنا يظهر الاتحاد الأوروبي كشريك في تقاسم العبء الأمني والإنساني.

ثالثًا: الدفاع – الاستقرار الإقليمي كأولوية مشتركة

في بيئة الساحل، لم يعد الدفاع مفهومًا تقليديًا يقتصر على حماية الحدود، بل أصبح يشمل:

منع انهيار الدول المجاورة.

مواجهة الجماعات المسلحة العابرة للحدود.

حماية الممرات الاقتصادية والطاقوية.

الدعم الأوروبي لموريتانيا في هذا المجال يعكس قناعة استراتيجية مفادها أن استقرار موريتانيا هو خط دفاع متقدم عن استقرار غرب المتوسط وأوروبا.

رابعًا: التنمية كأداة أمنية – حين تتحول الاقتصاديات إلى جدار وقائي

1. التنمية ضد التطرف والهشاشة

أكد الوزير الأول أن الحكومة تركز على:

تعميم الخدمات الأساسية.

دعم المناطق الأقل حظًا.

الإصلاحات الاقتصادية والمالية.

وهذا يعكس فهمًا استراتيجيًا بأن الفقر والتهميش يشكلان بيئة خصبة للاختراق الأمني.

2. برنامج “البوابة العالمية”

يُعد هذا البرنامج أحد أدوات الاتحاد الأوروبي لتعزيز:

البنية التحتية.

الاقتصاد المستدام.

التنمية البشرية.

وهو ما يربط التنمية بالأمن في إطار مقاربة الاستقرار طويل المدى.

خامسًا: البعد السياسي – الشراكة كأداة توازن دولي

تأتي الشراكة الموريتانية الأوروبية في سياق دولي يشهد:

تصاعد النفوذ الروسي في الساحل.

توسع الحضور الصيني اقتصاديًا.

تراجع الدور الفرنسي التقليدي.

اهتمام أمريكي متجدد بالمنطقة.

في هذا المشهد، تمثل الشراكة مع الاتحاد الأوروبي خيار توازن استراتيجي يسمح لموريتانيا بـ:

الحفاظ على استقلال قرارها السيادي.

تنويع شركائها الدوليين.

تجنب الانخراط في محاور متصارعة.

سادسًا: البعد الدبلوماسي – موريتانيا كفاعل إقليمي

إشادة المسؤولة الأوروبية بانضمام موريتانيا إلى اللجنة التوجيهية لمركز التنمية التابع لـ منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية تعكس:

تنامي الحضور الدولي لموريتانيا.

تحولها من دولة هامشية إلى شريك استراتيجي.

قدرتها على لعب دور استقرار في الساحل.

وهذا يعزز موقعها كـ جسر بين إفريقيا وأوروبا.

سابعًا: التحديات الاستراتيجية للشراكة

رغم أهميتها، تواجه الشراكة عدة تحديات:

تعقيد البيئة الأمنية في الساحل.

تداخل الأبعاد الإنسانية مع الأمنية في ملف الهجرة.

ضرورة تحقيق توازن بين السيادة الوطنية ومتطلبات الشركاء.

مخاطر الاعتماد المفرط على الدعم الخارجي.

ثامنًا: استشراف المستقبل – إلى أين تتجه الشراكة؟

من المرجح أن تتجه الشراكة الموريتانية الأوروبية نحو:

تعميق التعاون الأمني والاستخباراتي.

تعزيز التنمية في المناطق الهشة كأداة وقاية.

دعم الاستقرار الإقليمي عبر موريتانيا.

توسيع التعاون في مجالات الطاقة والاقتصاد الأزرق.

 

يمكننا القول : إن الشراكة بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي ليست مجرد إطار تعاون تقني، بل هي معادلة استراتيجية تجمع الأمن والدفاع والتنمية في بيئة إقليمية معقدة.

الدولة التي تنجح في تحويل الشراكات الدولية إلى أدوات لتعزيز سيادتها، وبناء اقتصادها، وحماية استقرارها، هي الدولة القادرة على الصمود في عالم يتجه نحو مزيد من التنافس وعدم اليقين.

وفي هذا السياق، تبدو موريتانيا اليوم أمام فرصة استراتيجية لتعزيز موقعها كقطب استقرار إقليمي، وشريك موثوق، وجسر بين إفريقيا وأوروبا… شريطة أن تُدار هذه الشراكة برؤية بعيدة المدى توازن بين الأمن والتنمية والسيادة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى