
شكّلت أحداث سيليبابي التي اندلعت في إبريل 2025، بسبب دفن شخص بمقابر المسلمين تبين لاحقا أنه مسيحي الديانة وما أعقبها من احتجاجات شعبية وإقالات أمنية وإدارية، مؤشرًا على تحديات عميقة في إدارة قضايا مركّبة حيث يتقاطع الديني بالاجتماعي ويؤثر على الاستقرار المحلي والوطني.
هذا التحليل يقدّم رؤية للأبعاد المتعددة، ويستشرف المخاطر، ويقترح مقاربات استباقية للأجهزة الأمنية والإدارية.
أولًا: الفشل في الاستباق الإداري
السلطات المحلية أُشعرت مسبقًا بإشكال ديني محتمل من خلال إمام مسجد، إلا أن الإشعار لم يُتصرف معه كمعطى حساس.
غياب تصنيف المعلومات الحساسة وإجراءات استباقية أدت إلى انفجار الأزمة بسرعة، وتحويل حدث فردي إلى فعل جماعي عنيف.
لذلك لابد من إنشاء آلية تصنيف سريع للمعلومات الحساسة اجتماعيًا ودينيًا وربطها بمسارات اتخاذ القرار الإداري والأمني.
ثانيًا: الدين كعامل تعبئة اجتماعية
في مجتمع متجانس دينيًا، أي فراغ مؤسسي في إدارة الشأن الديني يُملأ تلقائيًا بالشارع، ويصبح الغضب الشعبي الفاعل الرئيسي.
غياب الإطار المؤسسي يؤدي إلى فقدان الدولة للهيبة، ويضعف قدرتها على السيطرة على الأحداث.
وهنا يتأكد تعزيز التعاون بين العلماء، الإدارة، والأمن ضمن آليات واضحة، وفصل المعالجة الشرعية عن الإجراءات الأمنية.
ثالثًا: الهشاشة الاقتصادية كبيئة حاضنة للاختراق
المناطق الحدودية والجنوبية تعاني من فقر مرتفع، بطالة، وضعف الخدمات الأساسية، ما يجعلها قابلة للاستقطاب الخارجي.
المعالجة الأمنية وحدها لا تكفي دون تنمية حقيقية وعدالة اجتماعية.
دمج برامج التنمية المحلية مع استراتيجيات الاستباق الأمني للحد من الاستقطاب والتأثير الخارجي.
رابعًا: البعد الاستراتيجي الصامت
تمثل البعد الاستيراتيجي لهذه القضية في التأكيد على أن إحداث التغيرات الدينية في مجتمع متجانس قد تتحول إلى ملف ديمغرافي حساس، يُوظف لاحقًا في خطاب سياسي أو استخباراتي لجهة خارجية تسعى لزعزعة إستقرار البلاد ووحدة أراضيها.
ترك هذه القضايا دون معالجة استباقية يفتح الباب أمام تهديدات مستقبلية للوحدة الوطنية والسيادة.
في مثل هذه القضايا الحساسة والخطيرة لا يكفي الحل الأمني وحده بل لا بد من تطوير نظام إنذار مبكر يربط الواقع المحلي بالتحليل الاستراتيجي للتهديدات المحتملة.
خامسًا: الدروس العملية للأجهزة الأمنية والاستراتيجية
شكلت الحادثة سببا وجيها للعمل على إدماج الشأن الديني ضمن منظومة الإنذار المبكر باعتباره عامل استقرار أو اضطراب.
وكذلك تعزيز قنوات التنسيق بين العلماء، الإدارة، والأمن ضمن إطار مؤسسي واضح.
التركيز على الاستباق والتحليل الاجتماعي بدل الاكتفاء برد الفعل.
ربط المعالجة الأمنية بالتنمية والتعليم والحضور الخدمي للدولة.
متابعة التحولات الصامتة بعناية لتجنب ضغوط داخلية أو خارجية لاحقًا.
يمكننا القول : إن ما جرى في سيليبابي ليس حادثًا معزولًا، بل مؤشر على تحديات أعمق تواجه الدولة في إدارة مجتمع حساس تجاه هويته، وبيئة مفتوحة على التأثيرات الخارجية. المعالجة الفعالة تتطلب فهمًا استراتيجيًا، تنسيقًا مؤسسيًا، واستباقًا ذكيًا، لضمان استقرار الدولة ووحدة أراضيها دون الإضرار بالقيم أو شرعية مؤسساتها.






