
لم يعد الإرهاب في العصر الحديث مجرد تنظيمات مسلحة تتحرك في الجبال والصحارى، بل أصبح ظاهرة مركبة متعددة الأبعاد تتغذى على الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية والنفسية. التجربة الموريتانية أظهرت بوضوح أن أخطر مراحل التطرف ليست حمل السلاح، بل المرحلة السابقة له: مرحلة القابلية للاختراق الفكري والاجتماعي.
من هنا جاء التحول الاستراتيجي نحو معالجة الجذور العميقة للهشاشة بدل الاكتفاء برد الفعل الأمني.
أولًا: مفهوم الهشاشة في السياق الأمني
الهشاشة لا تعني الفقر فقط، بل هي حالة مركبة من الاختلال تشمل:
ضعف الفرص الاقتصادية
الإحباط الاجتماعي وانسداد الأفق
الشعور بالتهميش أو غياب العدالة
هشاشة الهوية والانتماء
الفراغ الفكري والديني
ضعف مؤسسات التأطير الاجتماعي
هذه العوامل مجتمعة تُنتج ما يسميه خبراء الأمن بـ “القابلية للتجنيد”، وهي المرحلة التي تسبق التطرف العنيف.
ثانيًا: كيف تستغل الجماعات المتطرفة الهشاشة؟
1. استغلال الفراغ النفسي والاجتماعي
التنظيمات لا تبدأ بالسلاح، بل تبدأ بـ:
تقديم معنى وهوية بديلة
خطاب المظلومية
إحياء الشعور بالقوة والانتماء
الشباب الهش نفسيًا واجتماعيًا يكون أكثر عرضة لتقبل هذا الخطاب.
2. توظيف الفقر والبطالة
الجماعات المتطرفة تدرك أن:
العاطل لا يخاف فقدان العمل
الفقير يبحث عن أي مصدر دخل
المحبط يسهل استقطابه
فتحوّل التجنيد إلى عرض اقتصادي مغطى بخطاب عقائدي.
3. استغلال المناطق الهشة
المناطق ذات:
ضعف الخدمات
ضعف الدولة
ضعف التنمية
تصبح بيئات مرنة للاختراق، خصوصًا إذا ترافقت مع ضعف الوعي الديني الوسطي.
ثالثًا: المقاربة الموريتانية في تحصين المجتمع
1. بناء المناعة الفكرية : وهو ما يفسر قيام موريتانيا بالتركيز على:
نشر خطاب ديني وسطي متوازن
تصحيح المفاهيم المغلوطة
تفكيك خطاب التكفير والعنف
إشراك العلماء في المعالجة الفكرية
الفكرة الأساسية: تحصين العقل قبل مراقبة السلاح.
2. امتصاص الهشاشة الاقتصادية: حيث تم ربط الأمن بالتنمية عبر:
فتح آفاق للشباب
دعم التشغيل الذاتي
مشاريع تنموية في المناطق الهشة
توسيع البنية التحتية والخدمات
لأن الشاب المرتبط بالعمل يصعب استقطابه نحو العنف.
3. استعادة التماسك الاجتماعي: لأن التطرف ينمو في الفراغ الاجتماعي، لذلك ركزت المقاربة على:
تقوية الروابط المجتمعية
دعم الأسرة كمؤسسة حماية
تعزيز دور المجتمع المحلي
إعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن
الهدف: إغلاق الفراغ الذي تتسلل منه الجماعات.
رابعًا: البعد الاستخباراتي للهشاشة
الأجهزة الأمنية الحديثة لا تراقب فقط السلاح، بل تراقب:
مناطق الهشاشة
التحولات الاجتماعية
مؤشرات الإحباط
تغير الخطاب الديني
الشبكات الناعمة للتأثير
هذا ما يسمى الأمن الاستباقي الاجتماعي، وهو أحد أسرار نجاح التجربة الموريتانية.
خامسًا: المخاطر المستقبلية: رغم النجاح، تبقى تحديات يجب الانتباه لها:
التحولات الرقمية وانتشار التطرف عبر الإنترنت
التغيرات الاقتصادية وتأثيرها على الشباب
هشاشة بعض المناطق الحدودية
محاولات الاختراق الخارجي عبر الخطاب الديني أو الإيديولوجي
استغلال الأزمات الاجتماعية أو السياسية
التطرف لا يختفي، بل يتحول ويتكيف.
سادسًا: التوصيات الاستراتيجية: إن النجاحات لابد لها من مواكبة استخباراتية وأمنية إلى جانب معالجة فكرية واستيراتية من خلال:
بناء منظومة إنذار مبكر للهشاشة الاجتماعية
الاستثمار في التعليم والوعي الفكري
تعزيز العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق
توسيع برامج تمكين الشباب
مراقبة الفضاء الرقمي دون المساس بالحريات
استمرار الدمج بين الأمن والتنمية
يمكننا القول : إن التجربة الموريتانية أثبتت أن المعركة الحقيقية ضد الإرهاب لا تبدأ في الميدان، بل في المجتمع.
فحين تُغلق منافذ الهشاشة، ويُفتح الأفق أمام الشباب، ويتعزز التماسك الاجتماعي، تفقد الجماعات المتطرفة أهم أسلحتها: البيئة الحاضنة.
وهنا يتحقق التحول من مكافحة الإرهاب إلى منع نشأته أصلًا، وهي أعلى درجات النجاح الاستراتيجي.




