آراءالرئيسية

الاستراتيجية الموريتانية في مكافحة الغلو والتطرف والإرهاب: مقاربة شاملة بين الحزم الأمني والعمق التنموي / محمد سيدأحمد بوبه كاتب وباحث في مجال الإعلام والاتصال

في عالم يتزايد فيه تعقيد التهديدات الأمنية وتتشابك فيه عوامل التطرف والعنف، برزت التجربة الموريتانية كنموذج متوازن يجمع بين الصرامة الأمنية والرؤية التنموية العميقة. وقد عبّر عن هذه الرؤية بوضوح معالي وزير الدفاع الوطني حنن ولد سيدي خلال كلمته في مؤتمر ميونخ للأمن، حين أكد أن المعالجة الأمنية وحدها لا تكفي، وأن تحقيق الاستقرار الدائم يمر حتمًا عبر تجفيف منابع التطرف ومعالجة أسبابه الجذرية.
هذه الرؤية لم تأتِ من فراغ، بل تشكلت عبر مسار طويل من التراكم المؤسسي والخبرة الميدانية، مما جعل موريتانيا تنتقل من موقع الهشاشة الأمنية قبل أكثر من عقد إلى موقع الدولة التي تقدم تجربتها كنموذج واقعي قابل للاستلهام.
أولاً: من المقاربة الأمنية الصرفة إلى الاستراتيجية الشاملة
في المراحل الأولى من مواجهة الإرهاب، اعتمدت العديد من الدول على الحلول العسكرية المباشرة، غير أن التجربة أثبتت محدودية هذا النهج إذا لم يُدعّم بمعالجة فكرية وتنموية. وقد استوعبت موريتانيا هذا الدرس مبكرًا، فطورت مقاربة متعددة الأبعاد تقوم على:
الجاهزية العسكرية واليقظة الاستخباراتية
عبر تأمين الحدود الشاسعة، وتفكيك الشبكات، ومنع تشكل الحواضن المسلحة.
التحصين الفكري والديني
من خلال نشر خطاب ديني وسطي، وإشراك العلماء في تفكيك خطاب الغلو، وإعادة تأهيل المنخرطين في الفكر المتطرف.
المعالجة الاجتماعية والتنموية
باعتبار أن الفقر والتهميش والبطالة تمثل بيئة خصبة لانتشار التطرف.
هذه الأبعاد الثلاثة لم تُطرح نظريًا فقط، بل تُرجمت إلى سياسات عملية منحت البلاد استقرارًا أمنياً ملحوظًا مقارنة بمحيط إقليمي مضطرب.
ثانياً: البعد الفكري… تحصين المجتمع قبل مواجهة التهديد
أدركت الدولة أن المعركة الحقيقية تبدأ في العقول قبل الميدان. لذلك اعتمدت سياسة تقوم على:
إعادة الاعتبار للمرجعية الدينية الوسطية.
تجفيف منابع خطاب الكراهية والتكفير.
إدماج العلماء والفقهاء في جهود الوقاية الفكرية.
تفكيك السرديات المتطرفة بدل الاكتفاء بمحاربتها أمنياً.
وقد ساهم هذا النهج في تحصين المجتمع، خاصة فئة الشباب، من الوقوع في مسارات التشدد، مما قلّص من قدرة التنظيمات المتطرفة على التجنيد.
ثالثاً: التنمية كخط دفاع استراتيجي
أبرز ما ميّز الرؤية الموريتانية هو الربط بين الأمن والتنمية. فالإرهاب – في جوهره – لا ينمو في فراغ، بل يتغذى على:
البطالة
التهميش
ضعف الخدمات
انسداد الأفق أمام الشباب
لذلك اعتبرت الدولة أن فتح آفاق العمل والتعليم والبنية التحتية ليس خيارًا اقتصادياً فقط، بل ضرورة أمنية. فحين ينخرط الشباب في البناء والإنتاج، تتراجع جاذبية خطاب العنف، ويُجفف منبع التطرف من جذوره.
وهذا ما أشار إليه وزير الدفاع حين أكد أن التنمية المستدامة تمثل شرطًا أساسياً لكسب المعركة ضد الإرهاب، وليس مجرد عامل مساعد.
رابعاً: الأمن الوقائي بدل الأمن التفاعلي
نجاح موريتانيا لم يكن نتيجة ردود فعل متأخرة، بل ثمرة تبني الأمن الوقائي، الذي يقوم على:
استباق التهديدات بدل انتظارها
مراقبة التحولات الاجتماعية والفكرية
التنسيق بين المؤسسات الأمنية والتنموية
تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع
هذا النموذج خفّض منسوب المخاطر، ومنع تشكل بؤر توتر داخلية، وهو ما يفسر الاستقرار النسبي الذي تعيشه البلاد مقارنة بدول الجوار.
خامساً: البعد الإقليمي… تجربة داخل بيئة مضطربة
تعمل موريتانيا في محيط إقليمي يتسم بـ:
تمدد الجماعات المسلحة
هشاشة الدول
تداخل الجريمة المنظمة والإرهاب
صراع النفوذ الدولي
ورغم ذلك، تمكنت من الحفاظ على توازن دقيق بين:
حماية أمنها الوطني
تجنب الانخراط في صراعات المحاور
دعم الاستقرار الإقليمي
تقديم نموذج قائم على الواقعية لا الشعارات
وهذا ما عبّر عنه الوزير بقوله: “نحن لا نعطي دروسًا للآخرين، بل نشارك تجربة ناجحة” — وهي عبارة تختصر فلسفة موريتانيا القائمة على الفعل لا الخطاب.
سادساً: لماذا نجحت التجربة الموريتانية؟
يمكن تلخيص عوامل النجاح في ست ركائز رئيسية:
وضوح الرؤية الاستراتيجية.
التكامل بين الأمن والتنمية.
تحصين المجتمع فكريًا ودينيًا.
الاستثمار في الاستقرار الاجتماعي.
تبني الأمن الوقائي.
الواقعية في قراءة البيئة الإقليمية.
هذه الركائز مجتمعة حولت المواجهة من حرب ضد الإرهاب إلى بناء ضد أسبابه.

يمكننا القول: إن الأمن يبدأ من الإنسان، حيث تؤكد التجربة الموريتانية أن كسب معركة الإرهاب لا يتحقق بالسلاح وحده، بل ببناء الإنسان، وترسيخ العدالة الاجتماعية، وفتح الأفق أمام الشباب، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.
فحين يشعر المواطن بالكرامة والانتماء والفرص، يفقد التطرف جاذبيته، وتتحول الدولة من قوة ردع إلى قوة استقرار.
وهكذا، لم تكن الرؤية التي عرضها وزير الدفاع مجرد خطاب في محفل دولي، بل تعبيرًا عن فلسفة أمنية متكاملة أثبتت نجاعتها في الميدان، وقدمت نموذجًا يؤكد أن الأمن الحقيقي يبدأ من التنمية، وينتهي بالاستقرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى