
لم يعد الأمن القومي في السياقات الحديثة مقتصرًا على حماية الحدود أو مواجهة التهديدات العسكرية المباشرة، بل أصبح مفهومًا مركبًا يشمل حماية صورة الدولة، وضبط روايتها، ومنع استغلال خطابها الداخلي في صراعات خارجية.
في هذا الإطار، تكشف التوترات الأخيرة بين موريتانيا ومالي عن بُعد بالغ الخطورة، يتجاوز الجانب الدبلوماسي إلى صلب الأمن القومي:
تحول الخطاب السياسي الداخلي إلى مدخل لاختراق السيادة وإعادة توجيه الاتهام ضد الدولة من خارجها.
أولًا: الأمن القومي… من حماية الأرض إلى حماية الرواية
في العقيدة التقليدية، يُختزل الأمن القومي في:
– حماية الحدود
– ردع التهديدات العسكرية
– الحفاظ على الاستقرار الداخلي
لكن في بيئة مفتوحة إعلاميًا ومتشابكة استخباراتيًا، أصبح الأمن القومي يعني أيضًا:
– التحكم في الصورة الخارجية للدولة
– منع تسريب “روايات مضادة” من الداخل
– تحييد أي خطاب يمكن أن يُعاد توظيفه ضدها
وهنا يتغير جوهر المعادلة:
الدولة لا تُستهدف فقط بما يُفعل ضدها… بل بما يُقال عنها من داخلها.
ثانيًا: كيف تتحول التصريحات إلى تهديد سيادي؟
في سياق التوتر مع مالي، برزت اتهامات خطيرة تتعلق باستخدام الأراضي الموريتانية كقاعدة خلفية لجماعات مسلحة.
ورغم نفي موريتانيا القاطع، فإن خطورة هذه الاتهامات لا تكمن فقط في صدورها، بل في إمكانية الاستناد إلى تصريحات داخلية موريتانية لتغذيتها.
فعندما تصدر من داخل الدولة:
– اتهامات للأجهزة الأمنية
– أو تشكيك في دور الجيش
– أو مزاعم بدعم الإرهاب
فإنها تتحول خارجيًا إلى:
“مادة إثبات سياسية” تُستخدم لتبرير مواقف عدائية أو تصعيدية.
ثالثًا: الحدود الهشة… حين تتضخم الكلمة
تمتد الحدود بين موريتانيا ومالي عبر آلاف الكيلومترات من المناطق المفتوحة والمعقدة أمنيًا.
في هذه البيئة:
– يصعب ضبط كل التحركات
– تتداخل الشبكات غير الرسمية
– وتكثر مناطق الغموض العملياتي
ومع وجود خطاب سياسي غير منضبط، تصبح هذه البيئة:
قابلة لإعادة التأويل والتوظيف، حيث تتحول الكلمة إلى عنصر مكمّل للتهديد الميداني.
رابعًا: السجال السياسي… من أداة ديمقراطية إلى ثغرة أمنية
في أي نظام سياسي، يُعد التنافس بين الأغلبية والمعارضة عنصرًا صحيًا.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا السجال إلى:
– اتهامات غير موثقة لأجهزة الدولة
– تشكيك في المؤسسة العسكرية
– أو توظيف قضايا حساسة لأغراض شعبوية
وهنا يبرز انحراف خطير:
تحول الصراع السياسي من تنافس داخلي… إلى مدخل لإضعاف الدولة خارجيًا
خامسًا: فوضى الخطاب واستغلال الحصانة: فقد لوحظ في بعض الحالات أن:
نوابًا أو فاعلين سياسيين استغلوا الحصانة البرلمانية أو فضاءات الإعلام المفتوح، وذلك لتوجيه اتهامات بالغة الخطورة، من قبيل:
– اتهام الدولة بدعم جماعات مسلحة
– أو التشكيك في نزاهة مؤسساتها الأمنية
– أو إثارة قضايا حساسة بطرح أحادي ومجتزأ
دون تقدير أن هذه التصريحات:
لا تبقى داخل الحدود… بل تُلتقط فورًا وتُعاد صياغتها في سياقات خارجية معادية.
سادسًا: البعد العرقي واللوني… أخطر مسارات التوظيف
من أخطر مظاهر هذا الانفلات، توظيف:
– النزعة العرقية
– والخطاب اللوني
في قضايا سيادية، مثل:
– ملف الهجرة
– أو إدارة اللاجئين
– أو سياسات الدولة الأمنية
حيث يتم:
اتهام الدولة بالتمييز، أو تصوير إجراءاتها الأمنية كاستهداف لفئة معينة.
رغم أن كثيرًا من هذه الإجراءات يدخل في صميم:
حق الدولة في حماية حدودها وتنظيم فضائها السيادي
لكن عند إخراج هذه القضايا بهذا الشكل، فإنها تتحول إلى:
أدوات ضغط دولي
تقارير حقوقية مسيّسة
أو ذرائع للتدخل الخارجي
سابعًا: غياب المساءلة… تعميق للمخاطر
الأخطر من التصريحات نفسها، هو:
عدم وجود ردع فوري أو مساءلة واضحة
فعندما تمر مثل هذه الاتهامات دون:
تدقيق
أو محاسبة
أو توضيح رسمي حازم
فإن الرسالة التي تُفهم خارجيًا هي:
أن هذه الاتهامات “مقبولة” ضمنيًا
أو أنها تعكس “واقعًا داخليًا”
وهذا يضعف بشكل مباشر:
مصداقية الدولة وقدرتها على الدفاع عن نفسها
ثامنًا: من الخطاب إلى التهديد المباشر
تأثير هذه الظاهرة لا يبقى نظريًا، بل قد يتحول إلى:
– توتر دبلوماسي
– تصعيد أمني على الحدود
– استهداف للمواطنين
– أو حتى تبرير عمليات عدائية
وهنا تتجلى الحقيقة الصعبة:
التصريح غير المسؤول قد يكون الشرارة الأولى لأزمة أمنية حقيقية.
تاسعًا: نحو إعادة ضبط العلاقة بين السياسة والأمن
التحدي الحقيقي لا يكمن في تقييد الحريات، بل في:
بناء وعي سياسي بمخاطر الخطاب غير المنضبط
إدراك أن القضايا السيادية ليست مجالًا للمزايدة
وضع خطوط فاصلة بين النقد المشروع والاتهام الخطير
فالدولة الحديثة لا تُضعفها المعارضة…
لكن قد يُضعفها:
الخطاب الذي لا يميز بين السياسة… والأمن القومي.
عاشرًا: الخطاب العرقي والسياسي في الفضاء المفتوح… حين تتحول التصريحات إلى مواد استخباراتية
في السياق الموريتاني، يبرز عامل إضافي يزيد من تعقيد المشهد، ويتمثل في طبيعة بعض الخطابات السياسية التي تصدر عن بعض الفاعلين السياسيين، بمن فيهم شخصيات برلمانية معروفة، تبنوا في فترات معينة خطابًا حادا، إضافة إلى فاعلين آخرين يتبنون في بعض الأحيان خطابًا حادًا يقوم على توظيف البعد العرقي أو اللوني في تناول القضايا الوطنية.
الإشكال هنا لا يتعلق بحرية التعبير في حد ذاتها، بل بطبيعة المضمون وحدود تأثيره، خاصة عندما يتضمن:
– اتهامات مباشرة لأجهزة الدولة
– تشكيكًا في المؤسسة العسكرية والأمنية
-أو توصيفات حادة ذات طابع عرقي أو تمييزي
في بيئة إعلامية مفتوحة، حيث تنتشر التصريحات عبر:
– المنصات الرسمية كالقنوات التلفزيونية (البرلمانية)
– وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتيك توك ويوتيوب
فإن هذه المضامين لا تبقى داخل السياق المحلي، بل تتحول تلقائيًا إلى:
“مصادر مفتوحة” تُرصد وتُحلل وتُوظف من قبل جهات خارجية، بما في ذلك الدوائر الاستخباراتية ومراكز التأثير الدولي
وهنا يكمن التحول الأخطر:
ما يُقال في سياق سياسي داخلي:
– يُلتقط كـ “معلومة أولية”
– يُعاد بناؤه ضمن تقارير أو روايات خارجية
– ثم يُستخدم كأداة ضغط أو اتهام رسمي
وفي حالات التوتر الإقليمي، كما هو حاصل مع مالي، تصبح هذه التصريحات:
جزءًا من البنية التفسيرية التي تُستخدم لتبرير مواقف عدائية أو تصعيدية.
الأخطر من ذلك، أن الخطاب ذي النزعة العرقية أو اللونية، عندما يُقدَّم دون توازن أو مسؤولية، يفتح الباب أمام:
– تدويل قضايا داخلية
– إعادة تأطيرها ضمن خطاب “انتهاكات” أو “تمييز”
وإدخالها في أجندات خارجية قد لا تخدم استقرار الدولة
وهنا يتقاطع السياسي مع الأمني بشكل مباشر:
تصريح واحد غير محسوب… قد يتحول إلى عنصر ضمن ملف دولي يُستخدم ضد الدولة، إضافة إلى ذلك تتحول هذه المنصات الرقمية إلى ساحات رصد مفتوحة، لم يعد هناك “تصريح محلي خالص”.
كل كلمة تُقال، خصوصًا من طرف شخصيات ذات صفة تمثيلية أو جماهيرية، يمكن أن تتحول إلى:
– مادة تحليل
– أو أداة ضغط
– أو حتى مبرر لصناعة أزمة
ولذلك، فإن حماية الأمن القومي لم تعد مسؤولية الأجهزة وحدها، بل أصبحت أيضًا مسؤولية:
الفاعل السياسي… الذي يجب أن يدرك أن صوته لا يُسمع في الداخل فقط، بل يُقرأ ويُحلل ويُستخدم خارج الحدود.
يمكننا القول: إنه في بيئة معقدة مثل الساحل، لم يعد الأمن القومي مسألة عسكرية فقط،
بل أصبح معركة على:
المعلومة
الصورة
والرواية
وموريتانيا، التي نجحت في بناء نموذج استقرار نسبي،
تواجه اليوم تحديًا من نوع مختلف:
حماية نفسها من الاختراق عبر خطابها الداخلي
لذلك، فإن المسؤولية لا تقع على الدولة وحدها،
بل على كل الفاعلين السياسيين والإعلاميين.
لأن:
الدولة التي تُتّهم من داخلها…
يُسهَّل استهدافها من خارجها،
وما يبدأ بكلمة…
قد ينتهي بتهديد للأمن القومي بأكمله.




