
المتابع: تمكنت كتيبة الدرك الوطني في أكجوجت، بالتنسيق مع كتيبة نواكشوط رقم 1 ومجموعة الرد السريع والمراقبة والتدخل رقم 1، من تفكيك شبكة تنشط في تهريب ونقل وتوزيع المخدرات، في عملية أمنية أسفرت عن ضبط 77.055 كيلوغراما من صمغ الكانابيس المصنّع المعروف محليا بـ«الحجر الأسود»، وتوقيف عشرة أشخاص يشتبه في ارتباطهم بالشبكة.
وكشفت التحريات أن السيارة المستخدمة في نقل الشحنة كانت تحمل شعارات جمعية خيرية تعنى بالأيتام والأسر المحتاجة، في محاولة لاستخدام العمل الخيري غطاءً لتسهيل نقل المخدرات وتفادي إثارة الشبهات، وهو ما يعكس تطور أساليب شبكات الجريمة المنظمة وسعيها إلى استغلال مختلف الوسائل والواجهات المشروعة لتنفيذ أنشطتها.
وتكتسب هذه العملية أهمية تتجاوز حجم المحجوزات وعدد الموقوفين، بالنظر إلى طبيعة الشبكة وطريقة عملها، إذ تشير إلى أن مواجهة المخدرات لم تعد تقوم فقط على نقاط التفتيش أو التدخل بعد وقوع الجريمة، وإنما أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على الرصد والمتابعة وجمع المعلومات والتحريات الميدانية وتنسيق الوحدات المتخصصة وصولا إلى تفكيك الشبكات وملاحقة حلقاتها.
وخلال السنوات الأخيرة، برز تطور ملحوظ في أداء جهاز الدرك الوطني الموريتاني، سواء من حيث انتشار الوحدات وتخصصها، أو من حيث تطوير آليات البحث والتحري والمراقبة والتدخل والاستجابة السريعة. والأهم من ذلك هو تنامي أهمية البعد الاستخباراتي والأمني في عمل الجهاز، بما يسمح بمتابعة تحركات المشتبه بهم، وربط المعطيات الميدانية، وتعقب مسارات الجريمة قبل أن تتحول إلى خطر أوسع على المجتمع.
وتفرض الطبيعة العابرة للحدود لجرائم المخدرات والتهريب والجريمة المنظمة على الأجهزة الأمنية العمل بمنطق الشبكات لا بمنطق الحوادث المنفردة؛ فالشحنة المضبوطة ليست سوى الحلقة الظاهرة من سلسلة قد تشمل ممولين وناقلين ووسطاء وموزعين وواجهات تستخدم للتغطية والتمويه. ومن هنا تبرز قيمة العمل الاستخباراتي والتحقيقات المتخصصة في الوصول إلى البنية الحقيقية للشبكات، وليس الاكتفاء بضبط الأشخاص الموجودين في الواجهة.
كما تؤكد العملية أهمية التنسيق بين مختلف وحدات الدرك، خصوصا عندما يتعلق الأمر بجرائم تحتاج إلى الجمع بين المعلومات والمتابعة الميدانية والقدرة على التدخل السريع. وهذا النوع من التنسيق يمثل تطورا مهما في بناء منظومة أمنية أكثر قدرة على التعامل مع الجريمة المنظمة، التي أصبحت أكثر تعقيدا وقدرة على تغيير أساليبها ومساراتها.
ويأتي ذلك في إطار الاستراتيجية الوطنية لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، وفي سياق الجهود التي تبذلها السلطات الأمنية لمواجهة شبكات التهريب والترويج وحماية المجتمع من آثارها.
وفي المحصلة، تؤكد عملية أكجوجت أن الدرك الوطني أصبح رقما أساسيا في المعادلة الأمنية الوطنية، إلى جانب الشرطة الوطنية وبقية الأجهزة المختصة، وأن مكافحة الجريمة في موريتانيا تتجه تدريجيا من التعامل مع الجريمة بعد وقوعها إلى بناء قدرات أكبر في الاستباق والرصد والتحليل والتفكيك.
ومع اتساع التحديات المرتبطة بالحدود والجريمة العابرة للحدود، فإن الاستثمار في قدرات الدرك الوطني، وتطوير وحداته المتخصصة، وتعزيز منظومات المعلومات والتحريات والتنسيق بين الأجهزة، لم يعد خيارا ثانويا، بل أصبح ضرورة لحماية الأمن الوطني والحفاظ على الاستقرار ومواجهة أشكال الجريمة الحديثة.







