
لا أحد ينكر وجود تفاوتات اجتماعية وتاريخية في فرص التعليم، ولا يدّعي أن المجتمع ينطلق من نقطة صفر واحدة. لكن تحويل هذا المعطى العام إلى تفسير وحيد ومطلق لكل نتيجة متكرّرة، فيه قدر من التبسيط الذي لا يقلّ خطورة عن إنكار الخلل نفسه.
المسابقات لا تُنتج نتائجها من فراغ، صحيح، لكنها كذلك لا تُكافئ الامتياز الوراثي بقدر ما تكافئ من استثمر في التعلم، وبذل الجهد، واختار مسارًا واضحًا منذ وقت مبكر. فالمدارس، والمعاهد، والمسارات التكوينية لم تكن يومًا مغلقة بحواجز قانونية أو اجتماعية صلبة، بل كانت – ولا تزال – مفتوحة لكل من قرّر أن يدفع ثمنها من وقته وجهده وانضباطه.
تكرار النتيجة لا يعني بالضرورة خللًا في القاعدة، بل قد يعني ببساطة أن فئة معيّنة أحسنت الاختيار والاستثمار، بينما اختارت فئات أخرى مسارات أقلّ صرامة أو أقلّ انسجامًا مع متطلبات هذا النوع من المسابقات. وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل نعالج الإشكال بتجريم النتائج، أم بدعوة الجميع إلى خوض مسارات النجاح نفسها بشروطها وتكاليفها؟
القول بأن “القانون محايد لكنه غير عادل في أثره” قد يكون وجيهًا في قضايا كثيرة، لكنه يصبح إشكاليًا حين يُستخدم لنزع قيمة الجهد الفردي، أو للتقليل من استحقاق من “زرع فحصد”. فالعدالة لا تعني ضمان تساوي النتائج، بل ضمان تساوي القواعد، وما دام الامتحان واحدًا، والمعايير واحدة، والتصحيح واحدًا، فإن تحميل النتيجة أكثر مما تحتمل فيه ظلم مضاد.
ثم إن تصحيح الاختلالات البنيوية لا يكون بإضعاف منطق الاستحقاق، ولا بالتشكيك الضمني في كفاءة الناجحين، بل بالعمل الجاد على الرفع من مستوى المدرسة، وتوجيه الطلبة مبكرًا، وبناء ثقافة جهد طويلة النفس. أما استدعاء التفسير البنيوي كلما لم تعجبنا النتائج، فإنه قد يتحوّل – من حيث لا نشعر – إلى خطاب تبريري يريح الضمير أكثر مما يغيّر الواقع.
الخلاصة أن ما حُصد اليوم هو ثمرة ما زُرع بالأمس: اجتهاد، صبر، واختيار واعٍ لمسار صعب. ومن أراد نتائج مختلفة، فالبداية ليست في الطعن في الحصاد، بل في تغيير نمط الزراعة.
محمد لحظانه




