آراءالرئيسية

محمد لحظانه يكتب:التهدئة والشرعية: بين منطق الإنجاز وشهوة التغيير

التهدئة والشرعية: بين منطق الإنجاز وشهوة التغيير بقلم محمد لحظانه المستشار الفني لوزير التجهيز والنقل مكلف بالنقل الجوي

في منطقة الساحل وبعض بلدان القارة الإفريقية، حيث تتكرر الأزمات السياسية والانقلابات وتضعف المؤسسات الدستورية، تُشكّل موريتانيا استثناءً لافتًا. فهي لا تبرز فقط كبلد مستقر، بل كدولة اختارت قيادتها نهج التهدئة السياسية، والتنمية الهادئة، وتعزيز دولة القانون والمؤسسات، في مسار إصلاحي يقوده الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، عنوانه التدرّج، والانفتاح، والابتعاد عن منطق الصدام.

ولأن هذا الخيار لم يكن مجرّد شعار ظرفي، بل رؤية عملية متماسكة، فقد تجلّى في سلسلة من الخطوات الملموسة التي أرست دعائم التحول الهادئ. من أبرزها إدخال إصلاحات على المنظومة الحزبية، وفق قانون جديد لا يُقصي ولا يُعاقب، بل يُعيد تعريف الجدية في العمل السياسي، ويمنح الساحة ما تحتاجه من وضوح ومصداقية. إصلاحٌ قانوني هادئ في مظهره، لكنه عميق في دلالته، كونه يُرسّخ التحول من الكمّ إلى النوع، ويعزّز مناخ التعددية المنظّمة بدل التزاحم الفوضوي.

وتتسق هذه الديناميكية التشريعية مع توجه أوسع يسعى إلى إعادة ترتيب العلاقة بين الفاعلين السياسيين على أسس الحوار لا التنازع، حيث يبرز الاستعداد لإطلاق حوار وطني هادئ وشامل، يعكس الحرص على ترسيخ الممارسة الديمقراطية لا زعزعتها، وتكريس الاستقرار لا إرباكه. وهو مسار ساهم في تهدئة الاحتقانات، وتحريك عجلة التنمية، وتعزيز الثقة في الداخل، بالتوازي مع إشعاع إيجابي في الخارج، حيث باتت موريتانيا تُقدَّم كنموذج يُحتذى في محيط مضطرب.

ولئن كانت السياسة قد استعادت هدوءها، فإن المرحلة تضع على الطاولة تحديًا من طبيعة مختلفة: تحدي التنمية. ففي ضوء ما تحقق من مكتسبات سياسية ومؤسسية، لم يعد التحدي اليوم سياسيًا أو مؤسساتيًا، بل تنمويًا بامتياز. فالسؤال المحوري لم يعد حول شكل النظام أو قواعد التناوب، بل حول قدرة الدولة على تحويل التمويلات الضخمة التي حُصِلت، إلى مشاريع ملموسة تلامس حاجات الناس وتفتح أمامهم آفاق المستقبل. وتحقيق هذا الهدف لا يتطلب تأبيد الأنظمة أو شخصنتها، بل يحتاج إلى ترسيخ ثقافة المواطنة، وتغليب منطق البناء المؤسسي على نزعات التهويل والمبالغة، والتخلي عن الخطاب الهزلي الذي يستهلك الجدل العمومي ويُفرغ النقاش من محتواه الجاد.
كما أن تعزيز الثقة لا يتحقق بتطبيع خفي مع مظاهر العبث بالمال العام، ولا بالتساهل ـ ولو عن حسن نية ـ مع سلوكيات أضرت بموارد الدولة وثقة المجتمع. فالإصلاح لا يكتمل ما لم يُرفع الغطاء الرمزي عن الفساد، وما لم نكفّ عن تزيين المفسد وتبرير أفعاله بلغة العاطفة أو التسييس.
وإذا كانت الرؤية الإصلاحية للرئيس واضحة في أهدافها الكبرى، فإن التحدي يكمن اليوم في القدرة على تجسيد تلك الرؤية إداريًا ومؤسسيًا، من خلال خلق شروط تنفيذ فعّالة تُمكّن من استيعاب التمويلات وتحويلها إلى مشاريع نافعة، تمسّ حياة الناس وتبني الثقة فيما يُنجز ويُخطط له، لا فيما يُعلن فقط.

لكن في مقابل هذا التركيز العقلاني على الحاضر التنموي، تطفو على السطح من حين لآخر نقاشات متعجلة تستبق الاستحقاقات القادمة، وتحاول فرض أجندة غير متّسقة مع إيقاع المرحلة. فالحديث المتعجل عن استحقاقات انتخابية لا تزال بعيدة، غالبًا ما يخدم منطق المزايدة أكثر مما يخدم الاستقرار أو التنمية. ومن ينشغل اليوم باستباق المستقبل، أيًا كان موقعه، يجدر به أن ينسجم مع أولويات المرحلة، وأن يضع يده في ورشة الإصلاح الهادئ والطموح التي تقودها البلاد، واضعًا نُصب عينيه أن الرهان الأكبر ليس على من سيأتي، بل على ما يُبنى الآن ليستمر بعده.

ولعل أخطر ما في بعض هذه الأصوات المتعجلة، هو ما تحمله من نزوع لإعادة فتح نقاشات دستورية تجاوزتها اللحظة الوطنية. فليس خافيًا أن بعض الأصوات، من حين لآخر، تعود لطرح أفكار تتعلّق بتعديل الوثيقة الدستورية أو مراجعة توازنات تجاوزتها التجربة بالتوافق والوعي، وإن في قوالب تبدو براقة أو عقلانية. غير أن هذه المقاربات، التي كثيرًا ما تحركها دوافع شخصية أو حسابات ظرفية، لا تنسجم مع طبيعة المرحلة ولا مع روح الإصلاح المنفتح التي تتبناها القيادة.

لذلك، فإن أي محاولة لتجاوز الضمانات الدستورية، أو إعادة هندسة الوثيقة القانونية العليا خارج سياق التوافق الوطني، لا تُعدّ أولوية، ولا تخدم المصلحة العامة. بل إن الوجهة المحددة بوضوح، من طرف القيادة والشعب، هي وجهة تعزيز دولة القانون، وتكريس التداول السلمي، واحترام النصوص الضامنة لذلك، لا المساس بها.

فمستقبل موريتانيا لا يُبنى بإعادة إحياء نقاشات تجاوزتها التجربة، بل بتثبيت ما أُنجز، وحماية ما تحقق، وتوسيع هامش الثقة بين المواطن والدولة. فالمؤسسات لا تُصان بالشعارات، بل باحترام نصوصها وروحها، وبالإيمان بأن صيانة التوازنات الدستورية ليست ترفًا قانونيًا، بل ضمانة لمشروع وطني يضع الاستقرار والإصلاح في صدارة الأولويات.

 

التهدئة والشرعية: بين منطق الإنجاز وشهوة التغيير

بقلم محمد لحظانه المستشار الفني لوزير التجهيز والنقل مكلف بالنقل الجوي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى