آراءالرئيسية

محمد لحظانه يكتب:فاجعة طريق الأمل: حين تحترق الأرواح بصمت وتُصوَّر بالمباشر

بقلم : محمد لحظانه المستشار الفني لوزير التحهيز والنقل مكلف بالنقل الجوي

في مشهد يهزّ الوجدان ويعصر القلب ألمًا، شهد طريق الأمل يوم الأحد 20 يوليو 2025 حادثًا مفجعًا على بُعد نحو 75 كيلومترًا شرق مدينة نواكشوط، أودى بحياة ستة مواطنين احترقوا داخل سيارة اشتعلت فيها النيران إثر تصادم مروّع.

لم يكن وقع الحادث قاسيًا على ذوي الضحايا وحدهم، بل امتدّ أثره إلى ضمير مجتمع بأسره، اهتزّ أمام فاجعة جسّدتها صور الأجساد المحترقة، وصمت اللحظة التي كان يُفترض أن ينطق فيها الوجدان، لكنه لم يفعل. وما بين الأسى والعجز، تحوّل الحدث إلى مرآة تُعيد إلينا أسئلة قديمة عن أنفسنا: عن ما تبقى فينا من إحساس عميق بالآخر، ومن قدرة على التفاعل مع الألم، لا كمعلومة تُتداول، بل كصرخة يجب أن توقظ فينا شيئًا.

إن التفكير في مثل هذه المأساة لا يمكن أن يتوقف عند الجوانب الفنية أو اللوجستية. صحيح أن السرعة الزائدة، وضعف الضوابط التنظيمية، وسوء البنية التحتية، تسهم في تفاقم الحوادث، لكن الأخطر من ذلك هو تآكل الشعور الداخلي بالمسؤولية، وتراجع الحس الأخلاقي في أبسط تجلياته: الغيرة على حياة إنسان يواجه خطر الموت.

وما يجعل هذه الفاجعة أكثر وجعًا، أن بعض من مرّوا بالمشهد لم يمدّوا يد النجدة، بل مدّوا هواتفهم لتوثيق اللحظة. مرّت سيارات وتجمّع أشخاص، لكن دون أن يتكلف أحد عناء البحث عن وسيلة إغاثة، أو حتى محاولة كسر عجز اللحظة بفعل بسيط. هنا تتحول الكارثة من حادث مأساوي إلى انهيار أخلاقي صامت. من مشهد احتراق إلى مشهد اغتراب. فالذي يُوثّق الاحتراق قبل أن يُنقذ، لا يعاني من قسوة المشهد، بل من خلل في البوصلة الإنسانية.
حتى إن من يشاهد صور الحادث، بكل قسوتها وبرود التفاعل حولها، قد يتبادر إلى ذهنه – دون وعي – أن الواقعة لا تمتّ إلى هذا البلد بصلة؛ كأنها تنتمي إلى واقع غريب عنا، أو إلى مجتمع فقد حساسيته تجاه الألم.

وهنا يطرح السؤال نفسه دون أن ينتظر إذنًا:
هل غيّرتنا الأيام؟
أم أننا فقط تخلّينا عن الجزء النبيل فينا، تحت ضغط التعود والتبلّد وانشغال الذات؟

لقد عرف هذا الشعب – تاريخيًا – معنى النجدة، والمروءة، والغيرة. لم يكن من شيم أهله أن يقفوا متفرجين على نداء استغاثة، أو أن تسبق اليد التي ترفع الهاتف اليد التي تداوي أو تنقذ. لكنّ ما رأيناه يوحي – بمرارة – أن شيئًا ما ينكسر في العمق… بصمت.

وإذا كانت بعض التصرفات الفردية قد تبدو مفهومة في لحظة صدمة أو ارتباك، فإن تكرارها وتحولها إلى سلوك مألوف يطرح أسئلة عميقة حول المنظومة القيمية التي تجمعنا. فما نراه من برود في التفاعل مع الكوارث لا يرتبط فقط بغياب الفعل، بل بغياب الاستعداد النفسي والعاطفي للفعل. وهذا ما يستدعي تأملاً في أهمية التربية على المعنى، وإعادة الاعتبار لخطاب يغذّي في الفرد حسّه بالمسؤولية تجاه الآخر، عبر الأسرة، والمدرسة، والمحيط الاجتماعي… لا من منطق الاتهام، بل من وعي جماعي بضرورة استعادة إنسانيتنا.

وفي خضم هذا المشهد الموجع، تبرز بعض المواقف التي تعيد التذكير بجوهر ما نريده لهذا المجتمع من قيمٍ حيّة ومسؤوليةٍ مشتركة. لقد شكّلت التفاتة فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى ذوي الضحايا، لحظةً نبيلةً في دلالتها، وذات وقع رمزي يتجاوز واجب العزاء إلى التعبير – بصمت الموقف لا بصخب الخطاب – عن غيرة أصيلة على المعنى الإنساني، وعن تمسّك راسخ بتقاليدنا التي ترى في النجدة والوقوف مع المكلومين جوهرًا من جوهر الأخلاق، لا طارئًا من طوارئ السياسة؛ وهو تصرف ليس غريبًا عن نهجه، بل يعكس روحًا إنسانية دأب على إظهارها في مثل هذه اللحظات منذ توليه مقاليد الحكم.

إن ما نحتاجه لا ينحصر في تحسين منظومة السير أو تعزيز خدمات الطوارئ – رغم أهميتهما – بل يبدأ من إعادة ترميم الجزء الأعمق من الإنسان: ضميره، غيرته، شهامته، واستعداده لفعل الصواب دون انتظار طلب أو مكافأة. فالمجتمع لا يُقاس فقط بما لديه من قوانين، بل بما يحتكم إليه أفراده حين لا يراهم أحد.

لقد آن الأوان أن نعترف: نحن في حاجة إلى يقظة ضمير جماعي، قبل أن نفقد ما تبقى من قدرتنا على الحزن الصادق، والتدخل التلقائي، والتفاعل الفوري مع نداء الحياة.

وإن دماء الأبرياء التي سالت، والنيران التي التهمت أجسادًا بشرية على مرأى من الجميع، لا يجب أن تُطوى كحادثة مرور عابرة. هذه اللحظة يجب أن تُسجَّل في ذاكرتنا لا كمجرد مأساة، بل كتحذير أخلاقي صارخ.

فالمسؤولية، وإن بدأت من الجهات المختصة، لا تنتهي عندها. إنها مسؤولية كل بيت، وكل مدرسة، وكل منبر، وكل فرد.
لأنه لا نهضة بلا ضمير، ولا إصلاح بلا أخلاق، ولا أمن بلا غيرة على الحياة، ولا مواطنة دون شعور بأن الآخر امتداد لنا، وأن الحياة التي نحميها اليوم قد تكون حياتنا غدًا. هكذا نُعيد الاعتبار لإنسانيتنا: لا بتوثيق المأساة، بل بمنع تكرارها.

 

فاجعة طريق الأمل: حين تحترق الأرواح بصمت وتُصوَّر بالمباشر
بقلم : محمد لحظانه المستشار الفني لوزير التحهيز والنقل مكلف بالنقل الجوي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى