
تشهد منطقة الساحل تحولات جيوسياسية متسارعة، أبرزها عودة العلاقات بين الجزائر وكلٍّ من مالي والنيجر، رغم استمرار تحالف دول الساحل الذي يضم كذلك بوركينا فاسو.
غير أن هذه التطورات تتقاطع مع معطى استراتيجي جديد لا يقل أهمية: سعي مالي لفتح منفذ بحري على المحيط الأطلسي عبر نهر السنغال.
في قلب هذه التحولات، تبرز موريتانيا كفاعل محتمل في معادلة إقليمية قيد التشكل.
أولًا: من القطيعة إلى البراغماتية : تعكس عودة العلاقات بين الجزائر ودول الساحل انتقالًا من مرحلة التوتر إلى منطق التوازن.
فبعد فترة من الاستقطاب الحاد، أدركت الأطراف أن:
الأمن في الساحل مترابط
والحدود لا يمكن ضبطها بشكل منفرد
والتكلفة الاقتصادية للعزلة مرتفعة
هذا التحول يفتح المجال أمام ترتيبات إقليمية أكثر مرونة، تقوم على التنسيق دون التبعية.
ثانيًا: مشروع مالي نحو الأطلسي — كسر العزلة الجغرافية: تسعى مالي، بوصفها دولة حبيسة، إلى تقليل اعتمادها على الموانئ التقليدية، خاصة في السنغال وساحل العاج.
وفي هذا السياق، يبرز توجه استراتيجي لفتح قناة أو ممر ملاحي عبر نهر السنغال، انطلاقًا من منطقة حدودية بين مالي والسنغال، وصولًا إلى المحيط الأطلسي.
دلالات هذا المشروع:
تحرر اقتصادي نسبي: تقليل الضغط السياسي المرتبط بالمنافذ التقليدية
تنويع الشركاء: فتح المجال أمام استثمارات جديدة
تعزيز السيادة: امتلاك بدائل استراتيجية في التصدير والاستيراد
لكن المشروع يواجه تحديات كبيرة:
صعوبات فنية (الملاحة، العمق، البنية التحتية)
تعقيدات سياسية مع الدول المشاطئة
كلفة استثمارية ضخمة
ثالثًا: أين تقف موريتانيا من هذا التحول؟
وللإجابة على هذا السؤال يجب علينا أن تنطلق من حقيقة جغرافية وسياسية في ٱن واحد وهي أن نهر السنغال يمر على الحدود الجنوبية لـ موريتانيا، ما يجعلها طرفًا غير مباشر—وربما مباشر—في أي مشروع من هذا النوع.
1. فرصة التحول إلى شريك لوجستي
بدل أن يكون المشروع منافسًا، يمكن لموريتانيا أن:
تعرض موانئها كبديل أكثر جاهزية
تطور ممرات تجارية مع مالي
تدخل كشريك في أي مشروع ملاحي إقليمي
2. منع تهميش الدور الموريتاني
إذا تم تنفيذ المشروع دون إشراك موريتانيا، فقد يؤدي إلى:
تقليص دورها كممر نحو الأطلسي
فقدان جزء من العوائد الاقتصادية المحتملة
لذلك، من الضروري التحرك المبكر دبلوماسيًا واقتصاديًا.
3. تعزيز التكامل بدل التنافس
السيناريو الأمثل ليس التنافس، بل:
بناء منظومة ممرات متعددة نحو الأطلسي
تشمل:
موانئ موريتانيا
ممر نهر السنغال
طرق برية إقليمية
رابعًا: موريتانيا كقوة توازن إقليمي: في ظل عودة العلاقات بين الجزائر ودول الساحل، يمكن لـ موريتانيا أن تلعب دورًا مركزيًا:
وسيط سياسي مقبول
شريك أمني مستقر
منصة اقتصادية صاعدة
هذا الدور يتعزز إذا أحسنت استثمار موقعها بين:
الجزائر شمالًا
مالي شرقًا
السنغال جنوبًا
خامسًا: ما الذي يجب فعله استراتيجيا في ضوء المتغير الجديد، ويعود بالنفع العام على موريتانيا ومالي؟
إن التعامل الاستيراتيجي مع هذا الواقع أو المتغير الجديد يستوجب الأخذ بعين الاعتبار للنقاط التالية:
– إطلاق مبادرة موريتانية-مالية مشتركة للنقل تشمل الطرق والموانئ وربما الملاحة النهرية.
– الدخول كشريك في مشاريع نهر السنغال
بدل البقاء خارجها.
– تحديث وتوسعة الموانئ الموريتانية لتكون الخيار الأكثر كفاءة لدول الساحل.
– تعزيز الحضور الدبلوماسي في تحالفات الساحل دون الانضمام الرسمي، للحفاظ على المرونة.
يمكننا القول: إن سعي مالي إلى منفذ بحري عبر نهر السنغال، بالتوازي مع عودة التوازن في العلاقات مع الجزائر، يؤشر إلى مرحلة جديدة عنوانها:
إعادة رسم خرائط النفوذ والممرات في الساحل.
وفي هذا السياق، تقف موريتانيا أمام خيارين:
إما أن تكون ممرًا ثانويًا في معادلة جديدة
أو أن تتحول إلى عقدة استراتيجية رئيسية تربط الساحل بالعالم
والفارق بين الخيارين لا تحدده الجغرافيا… بل القرار السياسي.




