آراءالرئيسية

العسكرة المتصاعدة في محيط موريتانيا: قراءة استراتيجية في التحولات الإقليمية وخيارات التوازن

يشهد المحيط الإقليمي لموريتانيا تحولات عسكرية متسارعة، مع ورود تقارير عن تعزيزات نوعية في القدرات القتالية لدى بعض دول الجوار، في سياق إقليمي يتسم بإعادة تموضع القوى الدولية، وتراجع أدوار تقليدية، وصعود أنماط جديدة من الشراكات العسكرية والأمنية. هذه التطورات لا تعني بالضرورة اقتراب تهديد مباشر، لكنها تفرض قراءة استراتيجية هادئة، تُدرك طبيعة التحول وتستشرف تداعياته على المدى المتوسط والبعيد.
أولًا: إعادة تشكيل التوازنات في الساحل وشمال إفريقيا
تشير المؤشرات إلى أن البيئة الأمنية في الساحل لم تعد تُدار بنفس الأدوات السابقة. فبعد سنوات من الحضور الغربي المكثف، برزت تحولات واضحة نحو تنويع الشراكات العسكرية، وتوسيع مصادر التسليح، وبناء قدرات دفاعية مستقلة.
هذا المسار يعكس رغبة عدد من الدول في:
تقليص الاعتماد على شريك واحد،
تعزيز السيادة في القرار الأمني،
وامتلاك هامش أوسع في إدارة التهديدات الداخلية والإقليمية.
في هذا السياق، لا يمكن فصل التطور العسكري في المنطقة عن التحولات الجيوسياسية الأوسع، حيث أصبح الساحل فضاءً لتنافس غير مباشر بين قوى دولية، تسعى كل منها إلى تثبيت نفوذها عبر أدوات أمنية وعسكرية، دون انخراط تقليدي مباشر.
ثانيًا: هل يعني سباق التسلح تهديدًا لموريتانيا؟
من منظور استراتيجي، لا يُقاس التهديد بحجم التسليح فقط، بل بطبيعة النوايا، ودرجة الاستقرار الإقليمي، ومستوى التنسيق بين الدول.
حتى الآن، لا توجد مؤشرات على تحول العسكرة الإقليمية إلى حالة صدامية، لكنها تُنتج بيئة أكثر تعقيدًا، حيث:
تتغير موازين الردع بشكل تدريجي،
تتزايد أهمية الجاهزية الدفاعية،
ويصبح ضبط الحدود أكثر حساسية في ظل تطور الوسائل العسكرية لدى بعض الفاعلين.
بالنسبة لموريتانيا، فإن التحدي ليس في مجاراة سباق التسلح، بل في الحفاظ على توازن ذكي، يضمن أمنها دون استنزاف مواردها أو إدخالها في حسابات محاور متنافسة.
ثالثًا: الحدود كخط تماس استراتيجي
تظل الحدود، خصوصًا الشرقية والشمالية، أحد أهم عناصر الأمن الوطني. ومع تصاعد العسكرة في الإقليم، تزداد أهمية:
اليقظة الاستخباراتية،
المراقبة التقنية،
والجاهزية العملياتية المرنة.
فالتهديدات المعاصرة لم تعد تقليدية فقط، بل تشمل: تحركات جماعات مسلحة،
اقتصادًا غير رسمي عابرًا للحدود،
وتداخل الأمني بالاجتماعي والاقتصادي.
وفي بيئة كهذه، تصبح الوقاية المبكرة أكثر فاعلية من ردّ الفعل المتأخر.
رابعًا: الحياد الاستراتيجي كخيار عقلاني
تميّزت السياسة الموريتانية خلال السنوات الماضية بنهج متوازن، قائم على تجنب الانخراط في الاستقطابات، مع الحفاظ على علاقات متعددة الاتجاهات.
هذا النهج لا يعكس حيادًا سلبيًا، بل براغماتية استراتيجية تقوم على:
حماية المصالح الوطنية أولًا،
تجنب الانجرار إلى صراعات بالوكالة،
والحفاظ على مرونة القرار السيادي.
في بيئة إقليمية تتجه نحو مزيد من العسكرة، يصبح هذا التوازن أكثر أهمية، لأنه يتيح لموريتانيا التحرك بهدوء، دون أن تتحول إلى طرف في معادلات لا تخدم استقرارها.
خامسًا: الأمن لا يُبنى بالسلاح وحده
رغم أهمية الجاهزية العسكرية، فإن الاستقرار طويل المدى يرتكز على منظومة أوسع تشمل:
تماسك الجبهة الداخلية،
التنمية في المناطق الحدودية،
وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.
فالدول التي تملك مجتمعًا متماسكًا، واقتصادًا متوازنًا، ومؤسسات مستقرة، تكون أقل عرضة للتأثر بالتحولات العسكرية المحيطة بها.
سادسًا: السيناريوهات المحتملة
يمكن قراءة التطورات الإقليمية ضمن ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
استمرار التوازن الحالي
حيث تبقى العسكرة في إطار الردع دون صدام، وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا على المدى القريب.
تصاعد التوترات الإقليمية
بما يفرض رفع مستوى الجاهزية الدفاعية واليقظة الحدودية.
إعادة تشكل المنظومة الأمنية في الساحل
عبر شراكات جديدة وتوازنات مختلفة، ما يتطلب مرونة استراتيجية في التكيف.
يمكن القول : إن الرهان الحقيقي يتوقف على المحافظة على  التوازن كقوة، فالتحولات العسكرية في محيط موريتانيا تفرض يقظة استراتيجية، لكنها لا تستدعي القلق بقدر ما تتطلب قراءة هادئة وتخطيطًا بعيد المدى.
فالاستقرار لا يتحقق بمجاراة سباق التسلح، بل ببناء قوة متوازنة:
قوة دفاعية كافية،
مناعة داخلية صلبة،
وسياسة خارجية مرنة.
في عالم يتغير بسرعة، تظل القدرة على التوازن — لا الإفراط — هي جوهر الأمن الحقيقي.

 

محمد سيدأحمد بوبه كاتب وباحث في مجال الإعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى