
منذ تولّيه مقاليد الحكم، اختار الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني طريقًا هادئًا لكنه حازم لبناء مشروع وطني يقوم على إرساء دولة القانون، وترسيخ التهدئة السياسية، وصون الحريات العامة. لم يكن هذا النهج استجابة ظرفية، بل خيارًا استراتيجيًا أعاد التوازن إلى الحياة العامة، ومهّد الأرضية لحوار وطني أول، وتهيئة شروط لحوار جامع ثانٍ بلا شروط مسبقة، يُنتظر أن يشكّل محطة توافق جديدة في تاريخ البلد.
وفي ظل هذا المناخ من التهدئة والانفتاح، وُضعت الفئات الهشة في صميم السياسات العمومية، من خلال دعم مباشر شمل آلاف الأسر، وتوسيع غير مسبوق للتغطية الصحية التي امتدت لتشمل عشرات الآلاف من المحتاجين، في خطوة تعكس توجّهًا اجتماعيًا يجعل من العدالة الاجتماعية أحد أعمدة التحوّل.
وقد لامست آثار هذا التوجه ميادين عديدة، من الصحة والتعليم، إلى البنية التحتية والرقمنة والسياحة. فالمراكز الصحية توسعت، والخدمات تطورت، والتعليم شهد إعادة نظر هيكلية في فلسفته ومساراته، لا سيما عبر برنامج “الامتياز الجمهوري” الذي أعاد الاعتبار لمبدأ تكافؤ الفرص. في الأثناء، عرفت المدن والقرى تحسنا في ربطها بشبكات الطرق، كما شُرع في رقمنة المرافق وتبسيط الإجراءات، وتوطين الخدمة العمومية وتقريبها من المواطن، في مسعى لترسيخ فكرة الدولة الحاضرة والفعالة. ولم يكن هذا كله بعيدًا عن منطق التنمية الذاتية، إذ دُعّمت السياحة الداخلية برؤية تتقاطع فيها الهوية مع الاقتصاد، وتُبرز جمال البلد من خلال استثمار القرب بدل الارتهان للبعيد.
وفي انسجام مع هذا النفس التنموي، شهد قطاع المياه دفعة قوية تجلّت خصوصًا في توسعة مشروع “أفطوط الشرقي”، الذي سيُمكّن من تأمين حاجيات أساسية لسكان مناطق طالما عانت من العطش. وعلى المستوى الزراعي، بدأت تتضح ملامح تحول حقيقي نحو تطوير أنماط الإنتاج، بما يسهم في تقليص التبعية الغذائية وتعزيز الأمن الغذائي الوطني، خاصة في مجال الأرز والخضروات.
أما القطاع الخاص، ورغم ما يُعوّل عليه من دور محوري في البناء التنموي، وما أُعطي له من تسهيلات إصلاحية من طرف الدولة، فما زال بعيدًا عن القيام بما يُنتظر منه. إذ يظل حضوره – حتى الآن – أقرب إلى محاولة إنتاج أرقامٍ ومؤشرات؛ فإن كانت صحيحة، فهي جديرة بالتقدير، وإن لم تكن، فهي – في الحد الأدنى – تبعث الأمل وتشير إلى إرادة خجولة في المشاركة، لا تزال بحاجة إلى بيئة أكثر تحفيزًا، وتنسيق أوثق مع الرؤية العامة للدولة.
ولأول مرة منذ الاستقلال، أُطلق برنامج تنموي تشاركي واسع النطاق، بتمويل مباشر من ميزانية الدولة، استفادت منه جميع ولايات الوطن، كلٌّ بحسب أولوياته المحلية. وقد مثّل هذا البرنامج ترجمة عملية لفكرة الإنصاف المجالي، ومؤشرًا على تطوّر العلاقة بين الدولة والمجتمع نحو مزيد من التوازن والعدالة.
وفي الموازاة، انطلقت الدبلوماسية الوطنية بتوجيه وإشراف مباشر من الرئيس، لتحقّق حضورًا متوازنًا وفعّالًا في الفضاءين الإقليمي والدولي، وتُفعّل آليات التعاون، وتفتح آفاقًا واسعة لجذب الاستثمارات النوعية. وقد تُوّج هذا المسار بتولي موريتانيا رئاسة واحدة من أهم المؤسسات المالية الإفريقية، بما يعكس ثقة متزايدة في النهج الوطني.
وتجلّى نمط القيادة الرئاسية بأسلوب جديد في مقاربة اللحظة الإنسانية، من خلال وقوف الرئيس شخصيًا، كلما دعت الحاجة، إلى جانب أسر الضحايا أو المرضى، في مواقف ميدانية تبعث برسائل صامتة لكنها بليغة، عنوانها التعاطف العملي والانتصار لكرامة المواطن. وهو توجه غير مألوف في سلوك السلطة العليا، ويعكس فلسفة جديدة في القرب من الناس، تتجاوز الرمزية إلى الفعل.
ورغم هذا الزخم الإصلاحي، فإن مواكبة الجهاز التنفيذي له ما زالت محل اختبار. فنجاح أي رؤية لا يُقاس فقط بمدى وضوحها أو صدق نواياها، بل بقدرة المؤسسات على ترجمتها إلى واقع ملموس. وقد أظهرت التجربة أن بعض التعثرات لا تعود إلى نقص في الإرادة أو التمويل، بل إلى بطء في الاستيعاب، أو غياب أدوات التنفيذ الفعّال. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إدارة تتفاعل بمرونة مع التوجيهات، وتتحلى بروح المبادرة، وتحرص على أن تكون أداة لتجسيد الرؤية لا مجرد ناقل إداري لها. فالتحدي الحقيقي ليس في وضع الخطط، بل في تنفيذها وفق منطق الكفاءة، وبمنأى عن التسييس والتجاذب، وبانفتاح صادق على الكفاءات، وإرادة راسخة في احترام تعهدات الدولة باعتبارها التزامًا أخلاقيًا تجاه المواطن.
وفي صلب التحديات المتبقية، تبقى معركة محاربة الفساد هي الأكثر حساسية وإلحاحًا. ورغم ما بُذل من جهد، فإن بعض مظاهر التسيّب ما زالت تعيق مردودية السياسات العمومية، وتفرمل الأثر المنتظر من الإنجازات. والمفارقة أن بعض ملفات الفساد – رغم ثبوت التجاوزات فيها – تنتهي بمجرد استعادة بعض المبالغ المختلسة، أو على الأرجح جزءًا منها، وكأن المساءلة تنتهي عند الحساب المالي، بينما تقتضي المصلحة العامة تفعيل ما يتيحه القانون من عقوبات رادعة، ومعها العقوبات الرمزية والاجتماعية التي تُسهم بدورها في ترسيخ ثقافة المسؤولية ومحو فكرة الإفلات من تبعات الفعل.
كما أن الجهد الإعلامي الرسمي، لم يرتقِ بعد إلى مستوى ما تحقق من إنجازات. فلا الخطاب وُفّق في شرح الخيارات وتبسيطها، ولا أدوات التبليغ حوّلت المنجز إلى وعي عام. وتفاقم هذا الخلل بغياب خطاب موحّد من الجهات الحكومية، واختلال في التنسيق، أضعف القدرة على الإقناع، وأدى إلى أن تبقى كثير من الخطوات الكبيرة رهينة الصمت أو الالتباس. بل إن المواطن – رغم كل ما تحقق – ما زال يشعر أن الأثر على حياته اليومية لا يعكس بالضرورة حجم ما أُنجز، في مفارقة لا تفسّرها الفجوة الإعلامية وحدها، بل تُحيل ضمنًا إلى عمق الحاجة لإدارة قادرة على تجسيد المنجز، لا مجرد الحديث عنه. ولعل من المفيد – في هذا السياق – إعادة النظر في مدى تناسب الموازنات المرصودة مع النتائج المحققة، ضمن مقاربة تربط بين جدوى الإنفاق وأثره الفعلي على المتلقي.
وما يُلفت في هذا المسار أن غايته لم تكن تثبيت أشخاص، بل تثبيت مؤسسات؛ ولم يُبنَ على فكرة الأبدية، بل على قناعة بأن من يجعل من القانون ركيزة، ومن الاقتصاد عمادًا، إنما يرسّخ دعائم دولة قادرة على الاستمرار خارج الأشخاص، ومحصّنة بمنطق الاستقرار لا الحاجة إليه. وهي رسالة لا تخطئها العين – حتى لمن يحاول اختزال التجربة في ولاية أو ظرف، أو في مناسبات تُخلّد من أجل الظهور أكثر من المضمون – إذ الرهانات الحقيقية لا تُدار بمنطق اللحظة، بل بروح الدولة… تلك التي تستمد مشروعيتها من عمق ما تبنيه، لا من ضجيج ما يُقال عنها.
الطريق الهادئ نحو التغيير: قراءة في ست سنوات من التحوّل
بقلم: محمد لحظانه المستشار الفني لوزير التجهيز والنقل مكلف بالنقل الجوي




