آراءالرئيسية

بين صراع الأجنحة ومركزية القرار: هل يواجه نظام الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني اختبار التماسك في أفق ما بعد المأمورية الثانية؟

يشهد المشهد السياسي الموريتاني هذه الأيام جدلاً متصاعداً على خلفية البيان الذي أصدره النقيب السابق للمحامين والمفوض السابق لحقوق الإنسان والعمل الإنساني، أحمد سالم بوحبيني، والذي كشف فيه تفاصيل لقاءاته المتعددة مع رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني واعتذاره عن مناصب سامية عُرضت عليه. تزامن ذلك مع تسريبات إعلامية غير رسمية تحدثت عن لقاء جمعه بالوزير الأول المختار ولد أجاي، تضمّن – بحسب تلك الروايات – حديثاً عن خلافات داخلية وصراع أجنحة، مع إقحام اسم وزير الداخلية محمد أحمد ولد احويرثي ونائب برلماني هو داوود ولد أحمد عيشه.

بعيداً عن تفاصيل الروايات المتقابلة، فإن الأهم سياسياً هو ما توحي به هذه الوقائع من مؤشرات على احتدام تنافس داخل دوائر السلطة، في لحظة دقيقة من عمر المأمورية الثانية للرئيس، حيث يبدأ السؤال المبكر عن “اليوم التالي” في فرض نفسه على الحسابات السياسية.

أولاً: سياق ما بعد المأمورية الثانية

الدستور الموريتاني، بصيغته الحالية، يضع سقفاً لعدد المأموريات الرئاسية، ما يجعل مسألة الخلافة – أو على الأقل شكل الترتيبات السياسية لما بعد 2029 – موضوعاً حاضراً وإن لم يُعلن رسمياً. في مثل هذه السياقات، تتحول الدولة من حالة “القيادة الموحدة” إلى حالة “إعادة التموضع”، حيث تسعى النخب إلى:

تثبيت مواقعها داخل مفاصل القرار.

بناء شبكات ولاء عابرة للمؤسسات.

تحصين مواقعها ضد أي انتقال محتمل في موازين القوى.

هذا ما يُعرف في أدبيات السياسة بمرحلة “الاصطفاف المبكر”، وهي أخطر من الصراع المعلن، لأنها تجري في الظل، وتُدار عبر التسريبات، وتُترجم في التعيينات، وتنعكس في التحالفات الاجتماعية.

ثانياً: أركان الصراع المفترض

إذا افترضنا – كفرضية تحليلية – وجود صراع أجنحة، فإن ملامحه قد تتوزع على ثلاثة مستويات:

1. جناح الإصلاح الاقتصادي التنفيذي

يُفترض أنه يتمحور حول رئاسة الحكومة، ويركز على السياسات الاقتصادية، والجباية، وإعادة هيكلة الإنفاق، وبناء سردية “الإنجاز الإصلاحي”. هذا الجناح يسعى إلى إقناع الرئيس والرأي العام بأنه يمثل امتداداً عملياً لبرنامجه.

2. جناح الضبط الأمني–الإداري

يرتكز على وزارة الداخلية ومراكز النفوذ الترابي، ويملك مفاتيح الإدارة المحلية، والسلطة التنظيمية، وشبكات المنتخبين والولاة والحكام. هذا الجناح يمسك بخيوط التأثير اليومي على المجتمع.

3. النخبة الوسيطة (التكنوقراط والرموز المستقلة)

شخصيات مثل أحمد سالم بوحبيني تمثل نمطاً ثالثاً: نخب ذات رصيد حقوقي أو مهني، لا تنخرط بسهولة في الاصطفاف، لكنها تُستدعى أحياناً كرصيد معنوي لأي جناح يسعى لتعزيز صورته.

في مثل هذا التوازن، يصبح كل استقطاب لشخصية اعتبارية بمثابة رسالة سياسية.

ثالثاً: المخاطر على صورة الرئيس

الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ما يزال – في وعي قطاعات واسعة – يمثل عنصر التوازن والهدوء وضبط الإيقاع. لكن استمرار تسريبات عن صراعات داخلية يحمل مخاطر حقيقية:

اهتزاز صورة التحكم المركزي

المواطن البسيط يقيس قوة الرئيس بقدرته على ضبط محيطه. حين يسمع عن أجنحة متصارعة، يتولد انطباع بأن “الدائرة القريبة” لم تعد منسجمة.

تآكل الهيبة الرمزية

حتى إن لم يكن الرئيس طرفاً في الصراع، فإن مجرد وجوده داخل نظام تتنازع مكوناته النفوذ، ينعكس على صورته باعتباره رأس النظام.

إضعاف خطاب الإنجاز

الإنجاز يحتاج إلى رواية موحدة. أما حين تتعدد الروايات داخل السلطة نفسها، فإن الرسالة السياسية تفقد تماسكها.

رابعاً: التأثير على القوى المؤثرة اجتماعياً

في موريتانيا، لا تتحرك السياسة فقط عبر الأحزاب، بل عبر:

الزعامات التقليدية.

الوجهاء المحليين.

الأعيان ورجال الأعمال.

الفاعلين الدينيين والاجتماعيين.

شبكات “صناع الرأي” غير الرسمية.

هذه القوى تتسم ببراغماتية عالية؛ فهي تميل إلى الاصطفاف مع من يبدو أكثر رسوخاً واستقراراً. فإذا استشعرت وجود صراع داخل النظام، فإنها غالباً:

توزّع ولاءاتها تحسباً.

تبقي مسافة أمان مع كل جناح.

تضعف حماسها للتعبئة خلف رأس النظام.

وهنا تكمن الخطورة: أن يصبح الرئيس، رغم كونه مركز الشرعية، محاطاً بنخب تتعامل مع المستقبل باعتباره “ما بعده”، لا “تحته”.

خامساً: من صراع النفوذ إلى صراع الشرعية

أخطر ما قد يحدث هو انتقال التنافس من مجرد صراع نفوذ إلى تنازع ضمني على “تمثيل مشروع الرئيس”. حين يدّعي كل جناح أنه الأقرب إلى رؤيته، فإن صورة المشروع ذاته تتشظى.

وفي هذه الحالة، قد تنقسم القوى الاجتماعية بين سرديتين:

سردية الإصلاح الاقتصادي الصارم.

سردية الحماية الاجتماعية والاستقرار الإداري.

وربما سردية ثالثة تنتظر لحظة إعادة تشكيل كاملة.

سادساً: ما العمل؟

تجارب الأنظمة السياسية تُظهر أن أفضل وسيلة لإدارة هذه المرحلة هي:

إعادة تأكيد مركزية القرار الرئاسي بشكل واضح.

تقليص مساحات التأويل حول الخلافة.

تحييد التنافس الشخصي عبر مؤسسات حزبية أو أطر تنظيمية واضحة.

منع تحويل الدولة إلى ساحة رسائل متبادلة بين أجنحة.

فالرئيس القوي ليس فقط من يملك الصلاحيات، بل من يحول دون ظهور “مراكز ظل” تتنازع الرمزيات.

 

يمكننا القول: إنه قد لا تكون كل الروايات المتداولة دقيقة، وقد يكون كثير منها جزءاً من معارك إعلامية جانبية. غير أن مجرد تداولها يعكس إحساساً عاماً بوجود حراك داخلي غير معلن.

وفي الأنظمة الرئاسية، حين يبدأ الحديث مبكراً عن مرحلة ما بعد الرئيس، فإن ذلك لا يعني ضعف الرجل، بقدر ما يكشف عن قلق النخب من المستقبل.

لكن استمرار هذا القلق دون إدارة سياسية حكيمة قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة: إضعاف صورة الرئيس في أعين المواطنين، وتشتيت القوى المؤثرة التي كانت حتى وقت قريب ترى فيه نقطة التوازن الضامنة لاستقرار البلد.

وفي لحظة إقليمية مضطربة، تبدو موريتانيا في حاجة إلى تماسك داخلي أكثر من أي وقت مضى؛ لأن أخطر ما يمكن أن يواجه أي نظام ليس معارضة خارجه، بل ارتباك داخله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى