
لم تعد موريتانيا مجرد دولة طرفية في فضاء الساحل، بل أصبحت، خلال السنوات الأخيرة، نقطة ارتكاز في معادلة إقليمية معقدة تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع التوازنات الجيوسياسية. ففي وقت تتجه فيه دول الجوار نحو مزيد من الاضطراب، تحاول نواكشوط أن ترسم لنفسها مسارًا مختلفًا، يقوم على مزيج من الحذر الاستراتيجي والانخراط المحدود.
تتموضع موريتانيا اليوم على تخوم بيئة إقليمية شديدة السيولة، حيث تعيش مالي تحولات عميقة في بنيتها السياسية والعسكرية، وتتجه نحو إعادة صياغة تحالفاتها الدولية، خاصة مع تنامي الحضور الروسي. هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن تراجع النفوذ الغربي التقليدي، وخصوصًا الفرنسي، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة تشكيل موازين القوى في كامل منطقة الساحل.
في هذا السياق، تبدو موريتانيا مطالبة بإدارة معادلة دقيقة: فمن جهة، عليها تأمين حدودها الشرقية والجنوبية، التي أصبحت أكثر عرضة للتأثر بما يجري في مالي؛ ومن جهة أخرى، يتعين عليها الحفاظ على علاقاتها المتوازنة مع مختلف الشركاء الدوليين، دون الانجرار إلى سياسة المحاور التي قد تفقدها هامش المناورة.
ما يميز المقاربة الموريتانية حتى الآن هو اعتمادها على مفهوم “الحياد النشط”، أي عدم الانخراط في صراعات مباشرة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على جاهزية أمنية وعسكرية قادرة على الردع. غير أن هذا الخيار، رغم وجاهته، يظل هشًا إذا لم يُدعَّم برؤية استباقية تأخذ بعين الاعتبار التحولات المتسارعة في البيئة الإقليمية.
فالتحدي لم يعد عسكريًا فقط، بل أصبح متعدد الأبعاد. إذ إن هشاشة بعض المناطق الحدودية، وامتداد الشبكات غير النظامية، سواء كانت مرتبطة بالتهريب أو الهجرة أو الجماعات المسلحة، يفرض على الدولة تطوير أدوات جديدة في الفهم والمعالجة. لم يعد كافيًا نشر القوات أو تعزيز الحضور الأمني، بل أصبح من الضروري الاستثمار في “الأمن الوقائي”، الذي يقوم على الاستباق بدل رد الفعل.
كما أن البعد الاقتصادي يظل عنصرًا حاسمًا في هذه المعادلة. فالمناطق التي تعاني من الفقر والتهميش تشكل بيئة خصبة لكل أشكال الاختراق، سواء كانت أيديولوجية أو إجرامية. وبالتالي، فإن أي استراتيجية أمنية لا تدمج التنمية المحلية، ستظل استراتيجية ناقصة، مهما بلغت قوتها العسكرية.
على المستوى الدولي، تجد موريتانيا نفسها أمام مشهد متغير، حيث تتنافس قوى كبرى على النفوذ في الساحل، مدفوعة بمصالح تتعلق بالموارد الطبيعية والموقع الجغرافي. هذا التنافس، وإن كان يوفر فرصًا للتعاون، إلا أنه يحمل في طياته مخاطر الانزلاق إلى صراعات غير مباشرة، قد تُستخدم فيها دول المنطقة كمسارح لتصفية الحسابات.
من هنا، تبرز أهمية الحفاظ على استقلالية القرار الوطني، وتجنب الارتهان لأي طرف خارجي، مع الاستفادة الذكية من الشراكات المتاحة. فالقوة الحقيقية لا تكمن في الاصطفاف، بل في القدرة على التوازن.
إن موريتانيا، وهي تواجه هذه التحديات، تمتلك عناصر قوة حقيقية، من بينها تجربتها في محاربة الإرهاب، وقدرتها على الحفاظ على قدر من الاستقرار في محيط مضطرب. غير أن الحفاظ على هذا المكسب يتطلب الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق استشرافها.
يمكن القول إن السؤال لم يعد: هل موريتانيا آمنة اليوم؟
بل أصبح: هل هي مستعدة لما قد يحدث غدًا؟
محمد سيدأحمد بوبه/ كاتب وباحث في مجال الإعلام والاتصال




