آراءالرئيسية

سياسات الجباية وحدود الاستقرار: حين تتحول الضرائب إلى مخاطرة سياسية على النظام / محمد سيدأحمد بوبه/ كاتب وباحث في مجال الإعلام والاتصال

في الأنظمة السياسية ذات البنية الرئاسية القوية، غالبًا ما يتشكل حول رأس السلطة فريق من المسؤولين يلعبون أدوارًا مزدوجة: تنفيذ السياسات من جهة، وامتصاص الصدمات السياسية من جهة أخرى. وفي الحالة الموريتانية، يبدو أن الوزير الأول الحالي المختار ولد أجاي يحتل موقعًا شديد الحساسية داخل منظومة الحكم التي يقودها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني. فهو في الوقت نفسه أحد أكثر رجالات النظام قدرة على تعزيز موارده المالية، وأحد أكثرهم قابلية لأن يتحول إلى مصدر خطر سياسي عليه.

ولتفكيك هذه القضية وفهمها في سياقها المحلي كظاهرة قد تشكل تهديدا للنظام القائم والإستقرار السياسي على المدى القريب إن لم يتم معالجتها، سنقوم بتناول الموضوع من خلال المحاور التالية:

الجباية كأداة استقرار مالي: منذ سنوات، سعت الدولة الموريتانية إلى توسيع قاعدة مواردها الداخلية، في ظل ضغوط مالية عالمية وتراجع الاعتماد النسبي على المساعدات الخارجية. وقد لعبت الإدارة الاقتصادية التي قادها ولد أجاي – سواء في وزارة المالية سابقًا أو في موقعه الحكومي الحالي – دورًا محوريًا في تعزيز تحصيل الضرائب والرسوم، وتشديد الرقابة على الموارد.
هذا النهج يوفر للدولة سيولة فورية ويعزز قدرتها على تمويل الخدمات العامة والإنفاق العمومي. كما أنه ينسجم مع توصيات المؤسسات المالية الدولية التي تشجع الدول النامية على رفع مستوى تعبئة الموارد المحلية بدل الاعتماد المفرط على القروض والمنح.
لكن المشكلة لا تكمن في مبدأ الجباية ذاته، بل في طبيعة توزيع عبئها الاجتماعي.

من الجباية إلى “المكوس”: أزمة الإدراك الشعبي: في الوعي الشعبي، حين تتكاثر الرسوم والضرائب على الاستهلاك والخدمات الأساسية دون أن تقابلها تحسينات ملموسة في مستوى المعيشة، تتحول الجباية في المخيال العام من سياسة اقتصادية إلى ما يشبه “المكوس”.
وهنا تبدأ المفارقة السياسية الخطيرة:
فالوزير الأول قد ينجح تقنيًا في زيادة إيرادات الدولة، لكنه في الوقت نفسه يخلق مناخًا اجتماعيًا مشحونًا يشعر فيه المواطن بأن الدولة تأخذ أكثر مما تعطي.
وفي دول ذات هشاشة اقتصادية مثل موريتانيا، حيث تعتمد نسبة كبيرة من السكان على الاقتصاد غير الرسمي وتواجه ضغوطًا معيشية متزايدة، فإن الضغط الضريبي غير المتوازن قد يتحول سريعًا إلى وقود للاحتجاجات الاجتماعية.

آلية “امتصاص اللوم”:  في كثير من الأنظمة السياسية، يؤدي بعض المسؤولين دور “حاجز الصدمات” بين السلطة العليا والرأي العام.
وفي الحالة الموريتانية، يبدو أن ولد أجاي يؤدي هذا الدور بامتياز:
هو الذي يطبق السياسات الاقتصادية الصارمة.
وهو الذي يتلقى النصيب الأكبر من الانتقادات الشعبية.
بينما يبقى الرئيس في موقع الحكم الذي يوازن بين المصالح.
لكن هذه الآلية لا تعمل إلى ما لا نهاية. فحين تتراكم الضغوط الاجتماعية، يتحول النقد من مستوى الحكومة إلى مستوى النظام السياسي كله.
الاقتصاد السياسي للغضب الاجتماعي
تاريخيًا، لم تسقط الأنظمة غالبًا بسبب الفقر وحده، بل بسبب الإحساس بالظلم الاقتصادي.
حين يشعر المواطن أن العبء الضريبي يثقل كاهله بينما يستفيد منه الفساد أو النخب الضيقة، فإن ذلك يولد شعورًا خطيرًا بعدم العدالة.
في مثل هذه الحالات تتشكل ثلاثة عوامل خطرة:
ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة
تزايد الضرائب والرسوم غير المباشرة
انطباع شعبي بانتشار الفساد
وعندما تجتمع هذه العناصر، تتحول السياسات المالية من مجرد إجراءات اقتصادية إلى قضية سياسية تهدد شرعية النظام.

معادلة السيولة مقابل الاستقرار: الفهم هذه المعادلة يتطلب الجواب على بعض الأسئلة الإستراتيجية :

السؤال الاستراتيجي الذي يواجه القيادة السياسية ليس:
هل نحتاج إلى الضرائب؟
بل: ما هو الحد الذي تتحول بعده الضرائب إلى تهديد للاستقرار؟
فالسيولة المالية التي توفرها الجباية قد تبدو مكسبًا قصير المدى، لكنها قد تصبح في المدى المتوسط تكلفة سياسية باهظة إذا أدت إلى توسيع دائرة السخط الاجتماعي.
وفي لحظة عالمية مضطربة اقتصاديًا، حيث تتزايد الضغوط على الطبقات الهشة في معظم دول العالم، يصبح القرار المالي قرارًا سياسيًا بامتياز.

الحاجة إلى إعادة التوازن:  إن التحدي الحقيقي أمام النظام ليس في جمع الموارد فحسب، بل في إعادة بناء العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن. ويتطلب ذلك:
تخفيف العبء الضريبي عن الفئات الفقيرة.
توجيه الجباية نحو القطاعات الأكثر ربحية.
تعزيز الشفافية في إنفاق المال العام.
ربط الضرائب بتحسينات ملموسة في الخدمات.
فالدولة التي تطلب من مواطنيها التضحية يجب أن تقنعهم أولًا بأن تلك التضحية عادلة وضرورية وموزعة بشكل متوازن.

قد يكون الوزير الأول المختار ولد أجاي أحد أكثر رجالات النظام قدرة على تقوية خزائنه، لكنه في الوقت نفسه يقف على خط تماس مباشر مع المزاج الشعبي. وهذا الموقع المزدوج يجعله عامل قوة للنظام في لحظات الاستقرار، لكنه قد يتحول إلى عامل خطر إذا تحولت سياسات الجباية إلى مصدر غضب اجتماعي واسع.

يمكن القول: إن التحدي الحقيقي أمام الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني هو تحقيق التوازن الدقيق بين حاجة الدولة إلى الموارد وحاجة المجتمع إلى العدالة الاقتصادية؛ لأن الأنظمة لا تهتز عادة بسبب نقص المال، بل بسبب اختلال الشعور بالإنصاف بين الحاكم والمحكوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى