آراءالرئيسيةالكناشالمنبر السياسي

تجليات صراع الأجنحة في النظام الموريتاني: النفوذ الجهوي، الاقتصاد الضريبي، ومعركة ما قبل 2029

الأجنحة داخل النظام: من التنافس الطبيعي إلى الصراع الصامت

شهدت الساحة السياسية في موريتانيا خلال السنوات الأخيرة حالة من الحراك الصامت داخل بنية السلطة، يتجلى في صراع أجنحة يتخذ أحيانًا أشكالًا غير مباشرة، مثل إعادة توزيع النفوذ داخل الإدارة، أو تحريك ملفات سياسية واقتصادية، أو الدفع بخيارات اقتصادية مثيرة للجدل. ورغم أن هذا الصراع لا يظهر غالبًا في شكل مواجهة علنية، فإن مؤشرات عديدة تدل على أنه بات عنصرًا مؤثرًا في توجيه القرار السياسي والإداري في البلاد.

في الأنظمة السياسية التي تتركز فيها السلطة حول مركز القرار الرئاسي، تنشأ عادة عدة أجنحة تتنافس على القرب من هذا المركز وعلى التأثير في توجهاته. وفي الحالة الموريتانية يمكن ملاحظة ثلاثة مستويات رئيسية لهذا التنافس:
– جناح الرئاسة والمحيط الضيق للرئيس، وهو الجناح الأكثر تأثيرًا في تحديد الاتجاهات الكبرى للدولة.
– جناح الحكومة والإدارة التنفيذية، الذي يسعى إلى توسيع نفوذه عبر السيطرة على مفاصل الدولة الإدارية والاقتصادية.
– جناح الدولة العميقة، الذي يتكون من شبكات نفوذ داخل المؤسستين العسكرية والأمنية وبعض الدوائر الاقتصادية.

وفي هذا السياق، يبدو أن الجناح المرتبط بالوزير الأول يسعى خلال المرحلة الحالية إلى تعزيز حضوره داخل الإدارة ومراكز القرار، في خطوة يراها بعض المراقبين جزءًا من إعادة تشكيل ميزان القوة داخل النظام.
وسنتناول تجليات هذا الحضور المتزايد داخل مفاصل الدولة ومراكزها الحساسة من خلال المحاور التالية:

أولا: التعيينات الجهوية… قراءة في ظاهرة لافتة

من أبرز المؤشرات التي يتداولها المراقبون في هذا السياق تصاعد التعيينات المرتبطة بالمحيط الاجتماعي والجهوي للوزير الأول، خصوصًا من ولاية لبراكنه وتحديدًا من مقاطعة مقطع لحجار.
هذه الظاهرة ــ سواء كانت مقصودة أو نتاجًا طبيعيًا لشبكات الثقة السياسية ــ أثارت نقاشًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية، لأن الإدارة الموريتانية ظلت تاريخيًا حساسة تجاه مسألة التوازن الجهوي والقبلي في التعيينات.
ويرى بعض المراقبين أن تكثيف حضور شخصيات من البيئة الاجتماعية للوزير الأول في مواقع إدارية مختلفة قد يعكس محاولة لبناء شبكة ولاء سياسي وإداري قادرة على دعم موقعه داخل النظام على المدى المتوسط. بينما يعتقد آخرون أن الأمر لا يتجاوز ظاهرة مألوفة في النخب السياسية الموريتانية، حيث يميل المسؤولون غالبًا إلى الاعتماد على دوائر الثقة القريبة منهم.
لكن، وبغض النظر عن التفسير، فإن هذا النمط من التعيينات يعزز الانطباع بوجود إعادة اصطفاف داخل الجهاز الإداري يمكن أن يكون له تأثير مباشر على توازن الأجنحة داخل السلطة.

ثانيا: السياسات الاقتصادية… الضرائب كمصدر توتر سياسي

إلى جانب البعد الإداري والجهوي، يبرز عامل آخر ساهم في تأجيج النقاش العام حول دور الوزير الأول داخل النظام، وهو السياسات الاقتصادية ذات الطابع الضريبي التي ارتبطت باسمه منذ سنوات.
فخلال توليه سابقًا حقيبة الاقتصاد والمالية في حكومات سابقة، عُرف بدفعه نحو إصلاحات مالية تهدف إلى توسيع الوعاء الضريبي وزيادة موارد الدولة، وهو توجه يتبناه عادة التكنوقراط في مواجهة العجز المالي ومتطلبات التوازنات الاقتصادية.
غير أن هذه السياسات ــ رغم مبرراتها التقنية ــ أثارت موجات من الغضب الشعبي، لأن كثيرًا من المواطنين يرون أنها تنقل عبء الإصلاح الاقتصادي إلى الفئات المتوسطة والضعيفة، في وقت لا يشعر فيه الرأي العام بوجود إصلاحات موازية في مجال محاربة الفساد أو تقليص الامتيازات داخل الدولة.
ومع توليه منصب الوزير الأول، عاد هذا النقاش بقوة، حيث يرى منتقدوه أن الحكومة تواصل الاعتماد على أدوات ضريبية مباشرة وغير مباشرة تزيد الضغط على المواطنين، خصوصًا في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع تكاليف المعيشة.

ثالثا: الاقتصاد والسياسة… حين تتحول الإصلاحات إلى معركة نفوذ

في الأنظمة السياسية المركبة، لا تبقى السياسات الاقتصادية مجرد قرارات تقنية، بل تتحول غالبًا إلى أدوات في الصراع السياسي بين الأجنحة.
فبعض خصوم الوزير الأول داخل النظام يعتقدون أن الخط الاقتصادي الصارم الذي يتبناه قد يؤدي إلى تآكل شعبيته وإضعاف موقعه السياسي، بينما يرى أنصاره أن الإصلاحات المالية الصعبة ضرورية لبناء اقتصاد أكثر استقرارًا على المدى الطويل.
وبين هذين الموقفين، يصبح الاقتصاد نفسه ساحة غير مباشرة للصراع داخل السلطة.

رابعا: معركة النفوذ داخل الإدارة

إذا جمعنا بين التعيينات الجهوية المثيرة للنقاش والسياسات الاقتصادية المثقلة بالضرائب، يظهر أن الجناح المرتبط بالوزير الأول يسير في مسارين متوازيين:
تعزيز النفوذ الإداري عبر التعيينات وشبكات الثقة.
فرض توجه اقتصادي تقشفي يهدف إلى إعادة ضبط المالية العامة.
غير أن هذين المسارين يواجهان في الوقت نفسه مقاومة صامتة من أجنحة أخرى داخل النظام، ترى في صعود هذا الجناح تهديدًا لتوازنات النفوذ القائمة منذ سنوات.

خامسا: ما قبل 2029… صراع التموضع المبكر

لا يمكن فصل هذه التطورات عن السياق السياسي الأوسع المرتبط بمرحلة ما بعد 2029.
ففي الأنظمة التي لا يكون فيها انتقال السلطة محسومًا مسبقًا، تبدأ عملية إعادة التموضع داخل النخبة الحاكمة مبكرًا. ومن هذا المنظور يمكن فهم التحركات الحالية ــ سواء في التعيينات أو في الخطاب الاقتصادي ــ باعتبارها جزءًا من معركة تمهيدية لإعادة رسم خريطة القوة داخل النظام.

سادسا: حساسية الصراع في ظل انتظار الحوار الوطني

تكتسب تجليات هذا الصراع داخل النظام حساسية مضاعفة في الوقت الراهن، خاصة أنه يأتي في مرحلة ينتظر فيها الموريتانيون إطلاق حوار وطني شامل كان قد دعا إليه فخامة رئيس الجمهورية من أجل معالجة الاختلالات السياسية وتعزيز التوافق الوطني حول القضايا الكبرى.
فالحوار الوطني يمثل في نظر قطاعات واسعة من الرأي العام فرصة تاريخية لفتح نقاش صريح حول إصلاح النظام السياسي وتعزيز الحكامة وتحقيق توازن أفضل بين السلطة والمعارضة، إضافة إلى معالجة الملفات الاجتماعية والاقتصادية التي تشغل المواطنين.
غير أن استمرار التنافس الحاد بين الأجنحة داخل السلطة قد ينعكس سلبًا على المناخ السياسي الذي يُفترض أن يسبق هذا الحوار، لأن نجاح أي حوار وطني يحتاج قبل كل شيء إلى بيئة من الثقة والهدوء السياسي بعيدًا عن صراعات النفوذ.
وتزداد حساسية الوضع حين يتزامن هذا الصراع مع تصاعد موجة الاستياء الشعبي من السياسات الضريبية التي يرى كثير من المواطنين أنها أصبحت تثقل كاهلهم في ظل أوضاع اقتصادية صعبة.
فالمواطن البسيط، الذي يعاني أصلًا من محدودية الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة، يجد نفسه اليوم الطرف الأكثر تضررًا من هذه السياسات، ما يخلق انطباعًا لدى الرأي العام بأن المواطن أصبح الضحية المباشرة لصراع الأجنحة داخل السلطة.
ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى إدارة هذا التنافس داخل النظام بقدر أكبر من الحكمة والمسؤولية، وتحـييد الملفات الاجتماعية والاقتصادية الحساسة عن حسابات الصراع السياسي.
فنجاح الحوار الوطني المرتقب وتعزيز الاستقرار السياسي يقتضيان إرسال إشارات واضحة للرأي العام بأن الدولة تدرك حجم الضغوط الاقتصادية التي يعيشها المواطن، وأنها قادرة على تحقيق التوازن بين متطلبات الإصلاح المالي وضرورات العدالة الاجتماعية.

سابعا: انعكاسات صراع الأجنحة على الحزب الحاكم والاستحقاقات السياسية القادمة

لا يقتصر تأثير صراع الأجنحة داخل النظام على دوائر السلطة التنفيذية والإدارة العمومية فحسب، بل يمتد أيضًا إلى بنية الحزب الحاكم وآليات عمله السياسية. فالأحزاب التي تشكل الواجهة السياسية للسلطة في الأنظمة شبه الرئاسية غالبًا ما تتحول إلى ساحة غير مباشرة للتنافس بين مراكز النفوذ داخل الدولة.
وفي الحالة الموريتانية، يبدو أن هذا التنافس بدأ ينعكس تدريجيًا على موازين القوة داخل الحزب الحاكم، سواء من خلال محاولات السيطرة على هياكله التنظيمية أو عبر السعي إلى توجيه مسارات التزكية السياسية والاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
فكل جناح داخل النظام يدرك أن التحكم في مفاصل الحزب الحاكم يمنحه أداة سياسية مهمة تمكنه من التأثير في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، سواء تعلق الأمر بالانتخابات التشريعية والبلدية أو بالتحضير المبكر للاستحقاق الرئاسي المنتظر في أفق 2029.
ومن هنا يمكن فهم بعض التحركات التي تهدف إلى تعزيز النفوذ داخل القواعد الحزبية والهيئات القيادية، حيث يسعى كل جناح إلى بناء قاعدة دعم سياسية تضمن له موقعًا قويًا في أي ترتيبات مستقبلية داخل النظام.
غير أن هذه الدينامية قد تحمل في طياتها مخاطر حقيقية، إذ إن تحول الحزب الحاكم إلى ساحة صراع بين الأجنحة قد يضعف دوره السياسي ويؤثر على تماسكه الداخلي، خاصة إذا شعر جزء من قواعده بأن التنافس داخل القيادة يتمحور حول النفوذ والمواقع أكثر مما يتمحور حول البرامج والسياسات العامة.
كما أن استمرار هذا التنافس قد ينعكس أيضًا على المشهد السياسي الوطني ككل، لأن أي اضطراب داخل الحزب الحاكم غالبًا ما ينعكس على أداء الحكومة وعلى قدرة النظام السياسي على الحفاظ على انسجامه الداخلي.
وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحّة إلى الحفاظ على توازن دقيق داخل الحزب الحاكم يضمن بقاءه إطارًا جامعًا لمختلف التيارات داخل الأغلبية، بدل أن يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية بين مراكز القوة داخل النظام.
ففي نهاية المطاف، يبقى استقرار الحزب الحاكم وتماسكه أحد العوامل الأساسية للحفاظ على الاستقرار السياسي في البلاد، خصوصًا في مرحلة حساسة تستعد فيها موريتانيا لدخول استحقاقات سياسية كبرى خلال السنوات القادمة.

يمكن القول إن تجليات الصراع داخل النظام الموريتاني اليوم لا تظهر في شكل انقسامات علنية، لكنها تتبدى عبر مؤشرات متعددة:
إعادة توزيع النفوذ الإداري، الجدل حول التعيينات الجهوية، التوتر الشعبي بسبب السياسات الضريبية، والتنافس الصامت بين مراكز القوة داخل الدولة.
ويبقى التحدي الأكبر أمام السلطة هو إدارة هذه التوازنات بحكمة حتى لا يتحول التنافس داخل النخبة الحاكمة إلى عامل يضعف الثقة العامة في الدولة أو يعرقل مسار الإصلاح الاقتصادي.
فموريتانيا، وهي على أعتاب مرحلة سياسية جديدة خلال السنوات القادمة، تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى توازن دقيق بين الإصلاح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، وبين إدارة النفوذ داخل السلطة والحفاظ على الاستقرار السياسي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى