الأخبارالرئيسيةالكناشالمنبر السياسيتحقيقاتقضايا

الحوار الوطني الشامل في موريتانيا: لحظة مفصلية لإعادة بناء العقد الدستوري

المتابع:تتجه موريتانيا نحو محطة سياسية بالغة الأهمية مع شروع رئاسة الجمهورية في إجراء اتصالات واسعة مع أطراف من الأغلبية والمعارضة، تمهيدًا لعقد لقاء تشاوري مع فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني حول مضمون الوثيقة المرجعية للحوار الوطني، التي أعدها منسق الحوار موسى افال بعد أشهر من المشاورات السياسية.
وحسب مصادر مطلعة، فقد شملت الاتصالات قيادات بارزة من المعارضة، من ضمنهم زعيم مؤسسة المعارضة الديمقراطية، إضافة إلى شخصيات سياسية من مختلف المشارب، في إطار مسعى رئاسي يرمي إلى بلورة رؤية موحدة للحوار، انطلاقًا من الوثيقة المقدمة، وبما يضمن شمولية التمثيل وعدم إقصاء أي طرف.
ويأتي هذا الحراك السياسي في سياق تعهدات متكررة من الرئيس غزواني بإطلاق حوار سياسي جامع لا يُقصي طرفًا ولا موضوعًا، ويستهدف معالجة الإشكالات الكبرى التي تعيق مسار التنمية والاستقرار السياسي والاجتماعي في البلاد.
الحوار الوطني الشامل فرصة تاريخية للإصلاح الدستوري:
إن الرهان الحقيقي للحوار الوطني الشامل لا يكمن فقط في جمع الفرقاء السياسيين حول طاولة واحدة، بل في طبيعة مخرجاته وقدرته على إحداث تحولات بنيوية عميقة، وفي مقدمتها إصلاح دستوري جاد يعيد صياغة الدستور الموريتاني بما يستجيب لتطلعات الشعب ويعالج الثغرات التي أفرزتها التجارب السابقة.
فالدستور، باعتباره العقد الناظم للعلاقة بين الدولة والمجتمع، مطالب اليوم بأن يكون أكثر تعبيرًا عن قيم العدالة الاجتماعية، وأكثر إنصافًا للفئات الهشة والمغبونة، وأكثر وضوحًا في ضمان الوحدة الوطنية، والتوزيع العادل للثروات، وتحقيق تكافؤ الفرص بين المواطنين دون تمييز.
إعادة التوازن بين السلطات:
ومن بين القضايا الجوهرية التي ينبغي أن تكون ضمن مخرجات الحوار، إعادة التوازن الدستوري بين السلطات، وهو توازن اختلّ بشكل واضح بعد حذف غرفة البرلمان الثانية (مجلس الشيوخ) في التعديلات الدستورية السابقة، دون أن يُقدَّم بديل مؤسسي يحقق الرقابة والتكامل التشريعي المطلوب.
إن إعادة الغرفة الثانية لا ينبغي أن تكون مجرد استنساخ للتجربة السابقة، بل فرصة لإعادة تصميم مؤسسة تشريعية أكثر فعالية، تمثل الجهات والفئات، وتعزز اللامركزية، وتدعم مسار الحكامة الرشيدة، وتمنح التشريع بعدًا توافقيًا يحدّ من تغول سلطة على حساب أخرى.

يمكننا القول: إن الحوار الوطني الشامل، إذا ما أُحسن تنظيمه وتحصينه بالإرادة السياسية الصادقة، يمكن أن يشكل لحظة تأسيسية جديدة في تاريخ موريتانيا الحديث، تنتقل فيها البلاد من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء الدولة العادلة، دولة القانون والمؤسسات، التي يشعر فيها الجميع بأنهم شركاء في القرار والثروة والمصير.
ويبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذا الزخم السياسي إلى التزامات دستورية وقانونية واضحة، تُترجم إلى سياسات عمومية عادلة، وتفتح أفقًا جديدًا أمام الأجيال القادمة، في وطن يتسع لجميع أبنائه دون إقصاء أو تهميش.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى