آراءالرئيسية

محمد لحظانه يكتب: اللقاءات التمهيدية للحوار… انفتاح الدولة وحدود التمثيل

في خضمّ الاستعدادات المتواصلة للحوار السياسي المرتقب، تتكاثر المبادرات وتتنوّع المقترحات، ويطفو إلى السطح من يسعى إلى تثبيت موقعه في لحظة وطنية مفصلية، حتى وإن جاء ذلك من خارج موازين الوزن الانتخابي أو الحضور الشعبي الواسع. وفي هذا الإطار تحديدًا، يظلّ الحوار، بطبيعته، فضاءً مفتوحًا أمام الطيف السياسي بكل تلاوينه، لا بوصفه اعترافًا بأحجام ثابتة، بل باعتباره مساحة لاختبار النوايا، وفرصة لإعادة تعريف الأدوار، وربما لإعادة تقديم الذات داخل مشهد آخذ في التحوّل.

وانطلاقًا من هذا الفهم الشامل للحوار، يندرج اللقاء المرتقب بين رئيس الجمهورية وبعض أطياف المعارضة ضمن هذا المنطق الجامع؛ إذ يُقرأ، في جوهره، تعبيرًا عن إرادة الانفتاح واستعداد الدولة للاستماع، أكثر مما يُفهم على أنه إعادة توزيع للشرعية السياسية أو تثبيت لأوزان لم يفرزها الصندوق بعد. وقبول الرئيس بهذا اللقاء، على هذا النحو، لا ينفصل عن رسالة أوسع موجّهة إلى المتحفّظين أو المتردّدين في المشاركة، مفادها أن الدولة جادّة في نهجها الحواري، وأن الباب مفتوح أمام كل من يتحرّك ضمن الثوابت الوطنية. فاللقاءات، مهما علت رمزيتها، تظلّ في هذا السياق خطوة ضمن مسار ممتدّ، لا اختصارًا له ولا حكمًا نهائيًا على مآلاته.

وبناءً على ذلك، فإن بعض اللقاءات التمهيدية، مهما أُحيطت بهالة من الترقّب أو أُسقِطت عليها قراءات متعجّلة، لا يمكن فهمها باعتبارها انعكاسًا مباشرًا لثقل وطني أو تمثيل انتخابي راسخ، بقدر ما تعبّر عن حرص الدولة على شمولية المسار، واستعدادها للإصغاء حتى للأصوات التي لم تحسم بعد موقعها في وجدان الناخب ولا في معادلة التأثير العام.

غير أن هذا الاتساع المقصود في مقاربة الحوار لا يخلو، في المقابل، من مفارقات لافتة إذ يتقدّم بعض من اعتادوا مقاربة الشأن الوطني من خارج نبضه اليومي، مستثمرين المسافة أكثر مما يستثمرون الثقة، ومراهنين على صدى الخطاب في المنابر الخارجية أكثر من رهانهم على حضورهم في وجدان المواطن. هؤلاء، وإن وجدوا في لحظات الحوار فرصة للعودة إلى المشهد، فإنهم يظلون، في نظر شريحة واسعة من الرأي العام، أقرب إلى عناوين عابرة في نشرات الفنادق وقاعات الخارج، من كونهم تعبيرًا حيًا عن تطلعات الداخل أو همومه الفعلية.

ومن هنا تحديدًا، يصبح من الضروري التمييز بين فتح الأبواب وترجيح الكفّة؛ فالإصغاء لا يرقى بالضرورة إلى مستوى الشراكة، بل يؤكّد، في جوهره، رغبة الدولة في أن يكون الحوار جامعًا في شكله، منضبطًا في مآلاته، واضح الحدود في نتائجه.

وعلى هذا الأساس، فإن شمولية الحوار، على اتساعها، لا تعني تعليق الثوابت أو تمييع الحدود المفهومية للاختلاف؛ إذ يظلّ اختلاف المواقع مشروعًا ما دام يتحرّك داخل فكرة الدولة، لا في خصومة معها أو تشكيك في وجودها ومشروعها الجامع. فالحوار لا يستقيم بلا أرضية مشتركة، ولا يمكن أن يتحوّل إلى فضاء تتساوى فيه المعارضة السياسية مع خطاب يقوم على نفي الإطار الذي يجعل الحوار ممكنًا من الأصل. ومهما اختلفت المواقع وتباينت الآراء، تظلّ الدولة، قبل الحوار وبعده، قائمة على هويتها العربية الجامعة وما يترتّب على ذلك من ثوابت، وهو واقع قد لا يصادف هوى بعض الأطراف بل قد يدفعه إلى المشاركة الهزلية ، لكنه يشكّل الأساس الذي لا تقوم ممارسة سياسية مشروعة خارجَه.

محمد لحظانه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى